الأفكار الداعية لاستغلال الأصول الصحفية، ووقف خسائر المؤسسات لا تهدأ.. ولكن ماذا عن تطوير المهنة وترسيخ الحريات؟
نشطت المؤتمرات والاجتماعات النقابية والحكومية والبرلمانية الساعية لتحسين الأداء الصحفى والإعلامى عمومًا. نقابة الصحفيين فى طليعة من أطلقوا هذه الجهود. تواكب مع ذلك اجتماعات مكثفة للجان الهيئة الوطنية للصحافة، انتهاءً بالاجتماع المشترك لقيادات الهيئة، وعلى رأسهم المهندس عبدالصادق الشوربجى، مع أعضاء لجنة الثقافة والإعلام فى مجلس النواب برئاسة الدكتورة ثريا البدوى. لا نغفل الاجتماعات التى عقدها رئيس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولى، قبل أسابيع معدودة، مع قيادات الهيئات الإعلامية الثلاث، لمناقشة سبل تطوير أدائها الإعلامى، والبحث عن حلول لأزماتها. ولا ننسى تأثير توجيهات الرئيس السيسى بوضع «خارطة طريق شاملة» لتطوير الإعلام المصرى، والاستعانة بالخبرات والكفاءات المتخصصة.
هذا الحراك الرسمى والنقابى ربما يكون هو المسئول عن عودة وزارة الإعلام فى التشكيل الجديد، وإن كانت عادت بـ«وزارة دولة» يتولاها كاتب صحفى ونقابى مخضرم، وهو الزميل ضياء رشوان. إضافة لذلك ظهرت أفكار ومقترحات محددة حول ضرورة إعادة هيكلة الإعلام، خاصة المؤسسات الصحفية القومية.
الاجتماع المشترك، الذى أشرت إليه، وضم لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب وقيادات الهيئة الوطنية للصحافة، كان على أجندتهم، على سبيل المثال، مقترح محدد لضم مؤسستى دار الهلال وروزاليوسف مع دار التحرير للطباعة والنشر. المؤسسات الثلاث تمتلك أصوًلا ضخمة، لكنها لا تنتج صحافة ورقية واسعة الانتشار فى الوقت الحالى. تألقت وأصدرت مجلات وصحفًا مؤثرة فى فترات سابقة. تفاعل معها القارئ المصرى والعربى، لكن أصابها الركود فى العقد الأخير. لم تجد من ينقذها ويخطو بها فى اتجاه التطوير، أو استغلال شهرتها ورصيدها لدى الناس، بصور أخرى، من بينها إنشاء مواقع صحفية إلكترونية متخصصة فى المجالات التى سبق وتألقت فيها.
علمت من زملاء وأصدقاء حضروا الاجتماعات الأخيرة أن الاقتراحات تم التفاعل البرلمانى والحكومى معها، لكن تم تأجيل القرار بشأنها. أى تم وضع الدراسات داخل الأدراج. هناك أفكار أخرى تم التعرض لها لوضع حد لاعتماد المؤسسات على الدعم الحكومى، بشكل تام.. وتضاعف ديونها لمؤسسات الدولة، خاصة الضرائب والتأمينات وبعض البنوك.
ومن خلال استغراقى فى مسار الاجتماعات ومضمونها، فإن هناك مسافة واسعة بين الفكر الرسمى بكل مستوياته، ومطالب النقابة ورموز المهنة. مسئولو الحكومة، وابتداءً من الدكتور مدبولى، همهم الأساسى تقليل حجم الدعم الرسمى، واستغلال الأصول التى تمتلكها المؤسسات.
ما يتردد حول تطوير المهنة وتحديث أدواتها؛ لا أثر ملموسًا له على أرض الواقع. فى المقابل فإن الحريصين على مهنة الصحافة فى مصر، الداعين لعودتها لمستواها الطبيعى الذى كانت عليه، يرون أن الحلول سهلة وميسّرة، إذا تم تفعيل التوصيات المتعلقة بضرورة الإحلال والتجديد بسرعة. لا بد من دخول دماء جديدة للمهنة، وعدم التمسك بالوجوه القديمة التى هى غير متفهمة أو متفاعلة مع تطورات العصر.
المواقع الإخبارية الحديثة تحتاج لخبرات وتأهيل غير متوافر بالشكل الكافى فى مؤسساتنا الصحفية.
تمنيت، أيضًا، أن تركز الحوارات الدائرة فى البرلمان وفى النقابة والهيئة الوطنية للصحافة على أسباب تراجع ترتيبنا فى التقرير العالمى لحرية الصحافة الذى تُصدره «مراسلون بلا حدود». هذه نقطة مهمة للغاية. ورغم ملاحظاتنا على أوضاعنا الصحفية، التى ذكرت جانبًا منها فى السطور السابقة، فإن ترتيبنا فى تقرير الحريات لا يليق بنا أبدًا. التقرير الصادر يوم ٣ مايو الماضى، فى ذكرى اليوم العالمى لحرية الصحافة، وضع مصر فى المرتبة ١٦٩ عالميًا.. بعد دول صغيرة وهامشية جدًا.
لا أريد أن أسىء لبلاد عربية وأخرى غير عربية، تسبقنا فى التقرير بدرجات كبيرة، ضمنها دول لم تعرف الصحافة إلا بعدنا بقرن أو يزيد، لا تنتج حتى الآن شيئًا مهمًا أو مقروءًا. فيها دول تولى الصحفيون المصريون إصدار صحفها ومجلاتها.. وبقوا هناك حتى علّموها المهنة.
أتذكر أننى دخلت فى جدل مع أحد مُعدى التقرير فى اجتماع عام، وجادلته حول تراجع مستوانا، فيما تسبقنا دول لا تتمتع بنصف ما نمتلكه من حرية، دول ممنوع فيها القرب من غالبية الدوائر الحكومية الرسمية أو ما هو أدنى من ذلك، فشرح لى العوامل التى تحدد الترتيب العام فى التقارير التى تصدرها الهيئات الدولية، بما فيها «مراسلون بلا حدود». الفيصل فى الترتيب متعلق بنقاط محددة، مثل مدى استقلال وسائل الإعلام، قدرة الصحفى على انتقاد السلطة، طبيعة القوانين المنظمة للنشر ومدى حمايتها للصحفيين، وصولًا لعدد المحبوسين والموقوفين فى قضايا تتعلق بالنشر الصحفى.
نحن لدينا بنية تحتية متميزة فى الصحافة، والإعلام عمومًا، لكننا فى حاجة لتحديث المحتوى لمواكبة التطورات، لنكون قادرين على المنافسة. فى حاجة، أيضًا، للعمل الدءوب لتحسين مراكزنا فى التصنيفات الدولية.. الترتيب الحالى لا يليق بمصر وتاريخها.




