لكل ثورة سؤالها الكبير. وإذا كان سؤال الثلاثين من يونيو عام 2013 هو «كيف نحافظ على الدولة المصرية من التفكك؟ «فإن سؤالها بعد ثلاثة عشر عامًا أصبح مختلفًا ، كيف نبنى دولة أكثر قوة وقدرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها؟
جاءت 30 يونيو فى لحظة كانت فيها الدولة الوطنية تواجه تحديات غير مسبوقة، فاختار ملايين المصريين الانحياز لفكرة الدولة ومؤسساتها ووحدتها، ومع مرور السنوات، أثبتت التجربة أن الحفاظ على الدولة كان شرطًا ضروريًا لأى مشروع تنموى، فلا اقتصاد يزدهر فى ظل الفوضى، ولا استثمار يتدفق فى غياب الاستقرار، ولا مجتمع يستطيع التقدم إذا فقد ثقته فى مؤسساته.
منذ ذلك الوقت، شهدت مصر، استثمارات ضخمة فى البنية الأساسية، وشبكات الطرق، والطاقة، والموانئ، والمدن الجديدة، بالتوازى مع برنامج إصلاح اقتصادى كان ثمنه الاجتماعى قاسيًا على قطاعات واسعة من المواطنين، لكنه جاء فى ظل ظروف إقليمية ودولية استثنائية، بدءًا من تداعيات جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الاضطرابات التى تشهدها المنطقة اليوم. وتشير بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى تراجع معدل البطالة إلى نحو 6.1 % خلال عام 2025، وهو من أدنى مستوياته منذ سنوات، بينما تجاوز عدد سكان مصر 108 ملايين نسمة، وهو ما يعكس حجم الضغوط الواقعة على الاقتصاد الوطنى وسوق العمل والخدمات العامة.
ولأن الاستقرار الحقيقى لا يتحقق بالإنجازات الاقتصادية وحدها، وإنما بوجود حياة سياسية تسمح بتداول الأفكار، وتنافس البرامج، وإدارة الاختلاف داخل إطار الدستور والقانون.
يصبح استكمال الإصلاح السياسى امتدادًا طبيعيًا لما بدأته الدولة منذ 30 يونيو، وليس مسارًا منفصلًا عنه. فتعزيز دور الأحزاب، وتوسيع المجال العام، وتمكين البرلمان من أداء دوره الرقابى والتشريعى بكفاءة، ودعم استقلالية الإعلام المهنى، ليست مطالب تخص المعارضة وحدها، وإنما ضرورات تفرضها طبيعة الدولة الحديثة، التى تقوم على المشاركة لا الاحتكار، وعلى الحوار لا الإقصاء.
وهنا تبدو فكرة المعارضة الوطنية المسئولة أكثر أهمية من أى وقت مضى. فالمعارضة ليست خصمًا للدولة، بل شريك فى تصويب السياسات، وتقديم البدائل، ولفت الانتباه إلى مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات، فالدول الواثقة من نفسها لا تخشى النقد، بل تعتبره أحد أدوات تحسين الأداء ورفع كفاءة مؤسساتها وهذا ما تؤمن به القيادة السياسية وتعمل عليه وهو ما عبر عنه الرئيس ومن أجله دعا إلى الحوار الوطنى وقال أن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للوطن قضية.
فالمصريون قادرون على تجاوز أصعب التحديات عندما تتوافر الإرادة الوطنية، ويبقى التحدى فى السنوات المقبلة الذى تسعى إليه الدولة هو الانتقال من مرحلة تثبيت الدولة إلى مرحلة تعظيم كفاءتها، دولة قوية بمؤسساتها، عادلة بقوانينها، وقادرة على فتح المجال أمام جميع أبنائها للمشاركة فى صنع مستقبلها.
ربما يكون هذا هو المعنى الأكثر عمقًا لذكرى 30 يونيو اليوم، أن حماية الدولة كانت البداية، واستكمال بنائها، سياسيًا واقتصاديًا ومجتمعيًا وهو المهمة المستمرة.



