قالت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية إن الحرب الأخيرة في المنطقة، ورغم أنها قد تترك الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موقف أقوى على الصعيد الدولي في حال رُفعت عنها العقوبات الغربية، إلا أنها خلّفت طهران في موقف أضعف بكثير في ساحة حيوية واحدة، وهي العراق.
وأضافت المجلة أنه منذ الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003، تمكنت إيران من فرض نفوذ واسع على جارتها الغربية عبر التغلغل في المؤسسة السياسية الشيعية، واستخدام البلاد كشريان مالي للحصول على النقد الأجنبي.
وأشارت إلى أن السخط العراقي من هذا التوغل ليس وليد اليوم، بل تنامى بشكل ملحوظ بعد تورط الميليشيات المدعومة من طهران في قمع الاحتجاجات المناهضة للفساد عامي 2019 و2020.
وأوضحت "فورين أفيرز" أن الاضطرابات التي شهدتها الأشهر الماضية دفعت القادة العراقيين وفصائل سياسية ومسلحة كانت مقربة من طهران إلى النأي بنفسها، ورفض تحويل العراق إلى ساحة مواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وتابعت مبينة أن الخطوة التي اتخذتها "سرايا السلام" التابعة للتيار الصدري مطلع يونيو الجاري بتسليم سلاحها للحكومة، تلتها إعلانات مشابهة من فصائل أخرى مثل "عصائب أهل الحق"، تمثل ضربة حقيقية للنفوذ الإيراني ومؤشرًا على تفكك شبكة وكلاء طهران الإقليمية.
تفكك المحور ومساعي حصر السلاح
وذكرت المجلة أنه على الرغم من بقاء بعض الفصائل ملتزمة بأجندة طهران، إلا أن رفضها للاندماج في مؤسسات الدولة جعلها تبدو معزولة وأقرب إلى كيانات تدافع عن مصالح قوة أجنبية لا عن مصلحة وطنية.
وأردفت قائلة إن حكومة رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، وضعت نزع سلاح الميليشيات وحصر القوة بيد الدولة على رأس أولوياتها، وهو ما شجع أطرافًا رئيسية في "الحشد الشعبي" على الانخراط في قوات الأمن الرسمية، رغبة منها في تحسين العلاقات مع بغداد وواشنطن على حد سواء.
واستطردت الصحيفة بالقول إن القوة الناعمة الإيرانية بدأت تتآكل هي الأخرى داخل المجتمع العراقي؛ ففي حين حظيت الميليشيات الموالية لطهران بشعبية واسعة إبان حربها ضد تنظيم "داعش" عام 2014، فإن محاولاتها الأخيرة لجر البلاد إلى الصراع الإقليمي قوبلت برفض قاطع، حتى من قِبل الحوزة الدينية الشيعية في النجف، والتي فضلت الاحتكام إلى القانون الدولي مؤكدة أن مصلحة العراق تأتي أولًا.
ملامح المستقبل الجديد
وأكدت المقالة أن طهران لن تستسلم بسهولة ولن تتخلى عن مواقعها في العراق، خاصة بعد ضعف حلفائها الآخرين في المنطقة كالنظام السوري وحزب الله في لبنان، إلا أن ميزان القوى داخل العراق قد انزاح بالفعل لصالح سلطة الدولة المركزية.
ولفتت إلى أن بغداد لا تسعى إلى تبني سياسة معادية لإيران، بل تهدف إلى إضعاف قبضتها، ما يتيح للعراق فرصة تاريخية للتكامل الاقتصادي والكهربائي مع دول الخليج العربي والأردن، والابتعاد عن سياسة "المقاومة الدائمة".
وخلصت "فورين أفيرز" إلى أن النخب السياسية الشيعية في العراق باتت تقدم مصالحها السياسية والاقتصادية على حساب الأجندات الإيرانية، مؤكدة أنه "حتى لو نجت إيران من الحرب الحالية، فإن نفوذها وموقعها المهيمن داخل العراق قد لا ينجو".

