من المرأة إلى المدينة. ينفتح كتاب «نساء الإسكندرية: حكايات الليل والنهار» لحسين عبدالبصير على بناء سردى يضع النساء فى مركز المشهد، ويمنح الإسكندرية وظيفة تتجاوز الخلفية المكانية إلى إطار جامع للذاكرة والتجربة. صدرت الطبعة الأولى عن ريشة للنشر والتوزيع سنة 2026، وتحمل صفحة العنوان تصنيف العمل بوصفه رواية. ويكشف الفهرس عن ثمانين شخصية نسائية تتوالى حكاياتهن من أروى صالح إلى يوديت مزراحى، فى بناء أقرب إلى فسيفساء سردية تتجاور فيها حيوات متعددة داخل مدينة واحدة. ومن هذا الاختيار ينشأ سؤال يتجاوز البناء الأدبى نفسه: كيف تبدو المدينة حين نقترب منها عبر تجارب نسائها؟
وفلسفة العمل تبدأ من الصوت. ففى المفتتح يضع الراوى فعل الكتابة فى صورة إصغاء إلى خبرة تبحث عن طريق إلى القول، ويأتى السؤال المكثف: «هل تجرؤ على كتابة ما عجزتُ عن قوله؟» تحمل العبارة فى داخلها قضيتين مركزيتين: حق التجربة فى الكلام، ودور الوسيط الذى يمنحها شكلها الأدبى. ومن هنا تتشكل إحدى أفكار الكتاب؛ فالمدينة تُبنى بالحكايات مثلما تُبنى بالشوارع والعمائر. الإسكندرية هنا أحياء وبيوت ومقاهٍ ومكتبات وأسواق وكورنيش، وهى أيضًا حب وفقد وهجرة وعمل وشيخوخة وحنين وبحث عن الانتماء.
وتتيح هذه البنية قراءة جندرية للمدينة. يظهر الجندر بوصفه مدخلًا إلى فهم موقع المرأة داخل العلاقات الاجتماعية، وحركتها فى المجال العام، وفرص التعليم والعمل والاختيار والهجرة. وتتحرك الشخصيات فى مساحات متعددة؛ صاحبة متجر، وطالبة، وفنانة، ومهاجرة، وامرأة مسنة، ونساء يحملن خلفيات ثقافية وقومية متنوعة. وبذلك تكتسب الحياة اليومية قيمة معرفية واضحة؛ فالبيت والمتجر والجامعة والمقهى والحى تصبح مواقع تكشف عن الاجتماع الحضرى من مستوى قريب من الإنسان.
ومن هنا تتحرك الحدود بين المتن والهامش. المتن المعتاد فى تاريخ المدن يتسع للمؤسسات والميناء والعمارة والسياسة والاقتصاد والشخصيات العامة، بينما تمنح هذه الرواية الخبرة الفردية مساحة واسعة. الهامش الاجتماعى يتحول إلى متن سردى، والحياة اليومية تصبح أداة لرؤية المدينة من الداخل. وتسمح هذه الفكرة بقراءة العمل إلى جوار التحول الذى أحدثه تاريخ النساء فى الكتابة الغربية. ففى «الأغلبية تجد ماضيها: وضع النساء فى التاريخ» (The Majority Finds Its Past: Placing Women in History)، الصادر أصلًا سنة 1979، ربطت جيردا ليرنر تأسيس تاريخ النساء بإدخال تجاربهن فى صميم البحث والانتباه إلى اختلافات الطبقة والعرق والثقافة.
ويأخذ الجندر بعدًا تحليليًا أعمق مع جوان وولاش سكوت. ففى دراستها «الجندر: فئة مفيدة للتحليل التاريخى» (Gender: A Useful Category of Historical Analysis( المنشورة سنة 1986 فى The American Historical Review، جعلت سكوت الجندر فئة لتحليل العلاقات الاجتماعية ومواقع القوة. وتفيد هذه الزاوية فى قراءة «نساء الإسكندرية»؛ فالمهم يتصل بالطريقة التى تعيش بها الشخصية داخل الأسرة والعمل والتعليم والمدينة، وبالخيارات التى تصنع مسارها وعلاقتها بمن حولها.
وتدخل الذاكرة إلى قلب هذه الفلسفة مع إلهام نورالدين. تقدم الرواية امرأة فى السبعين تعيش فى الأنفوشى، تحمل معها ذاكرة الزوج الصياد والبحر والأبناء والحى. وتبدأ تأملها بفكرة لافتة: «كل شىء فى الحياة يحتاج إلى راوٍ، إلى صوت يصرخ فى صمتها، ليعيد إحياءها». ثم تتحول إلى حكواتية يتجمع حولها الأطفال والكبار، ويظهر شاب يحمل كاميرا لتسجيل حكاياتها وحفظها للأجيال. هنا تتجاوز الذاكرة نطاق الفرد وتدخل المجال الاجتماعى، وتصبح رواية الحياة وسيلة لإبقاء أثر المكان وسكانه.
ويتقاطع هذا الجانب مع التاريخ الشفوى عند أليساندرو بورتيللى. ففى «موت لويجى تراستولى وحكايات أخرى: الشكل والمعنى فى التاريخ الشفوى» (The Death of Luigi Trastulli and Other Stories: Form and Meaning in Oral History)، الصادر سنة 1991، اهتم بورتيللى بالطريقة التى يصنع بها الأفراد ذكرياتهم ويمنحون تجاربهم معنى من خلال فعل الحكى. ومن هذه الزاوية تمنح حكاية إلهام المؤرخ فكرة مهمة عن الذاكرة بوصفها عملية لإعادة ترتيب الماضى داخل الحاضر.
وتسمح هذه الصيغة بالنظر إلى المدينة بوصفها أرشيفًا موزعًا بين البشر والأشياء والأماكن. كل شخصية تحمل قطعة من الإسكندرية: ذاكرة بيت، وأثر حى، وخبرة عمل، ومسار هجرة، وعلاقة بالبحر. وعند جمع هذه القطع تتكون خريطة تقوم على الاستخدام اليومى والذاكرة الشخصية. هذا المعنى مهم للمؤرخ الحضرى، لأن المدينة الحديثة تُقرأ أيضًا عبر السكن والتنقل والعمل والاختلاط، وعبر الطريقة التى يحول بها السكان المكان إلى جزء من سيرتهم الذاتية.
ومن هنا تقترب الرواية من السؤال الذى حمله عنوان كتاب ميشيل بيرو «النساء أو صمت التاريخ» (Les femmes ou les silences de l’histoire)، الصادر سنة 1998، وهو عمل يدور حول تاريخ النساء وأوضاعهن الاجتماعية وموقعهن فى المعرفة التاريخية. ويظهر التقاطع هنا فى مستوى التمثيل: «نساء الإسكندرية» تتخيل شخصيات نسائية تقع خارج السرد العام للمدينة وتمنح كل واحدة مساحة باسمها وحكايتها. طبيعة هذه الأصوات الأدبية تظل مرتبطة بعالم التخييل، وهو فارق منهجى جوهرى عند استخدامها فى البحث التاريخى.
ويتسع المكان مع التعدد الثقافى. تقدم آنا بابيان مثالًا دالًا؛ فقد نشأت فى الإسكندرية داخل أسرة أرمنية، وترتبط ذاكرتها بالأسرة والكنيسة والثقافة الأرمنية والتعليم والتنوع الذى أحاط بها، ثم تمنحها تجربة السفر والعودة وعيًا جديدًا بمعنى الانتماء. ويجاور هذا الصوت شخصيات أخرى ذات أصول ومسارات مختلفة، فيستدعى الكتاب بذلك الصورة الكوزموبوليتية للإسكندرية بوصفها مدينة للعبور والاختلاط والهويات المتعددة.
وهذه النقطة تستحق انتباه المؤرخ؛ فالرواية الصادرة سنة 2026 تقدم أيضًا صورة معاصرة لذاكرة الإسكندرية الكوزموبوليتية. قيمتها هنا تتصل بتاريخ تمثيل المدينة فى الحاضر: أى عناصر من ماضيها يجرى استحضارها؟ وما الصورة التى تحتفظ بها الثقافة الراهنة عن تعددها؟ وكيف تتحول الجاليات والهجرة والبحر إلى مكونات لصناعة هوية سكندرية متخيلة؟ بهذه الأسئلة يصبح العمل مفيدًا لدراسة الذاكرة الثقافية بقدر فائدته فى إثارة الأسئلة حول التاريخ الاجتماعى.
وتساعد جغرافيا الجندر على توسيع هذه القراءة. جمعت دورين ماسى فى «الفضاء والمكان والجندر» (Space، Place and Gender)، الصادر سنة 1994، بين المكان والعلاقات الاجتماعية والهوية والجندر، وقدمت المكان باعتباره نتاجًا لعلاقات متقاطعة ومتغيرة. وتجد هذه الفكرة صداها فى الرواية؛ فالإسكندرية تكتسب معانى مختلفة مع السكن والعمل والدراسة والهجرة والعودة، وكل شخصية تصنع علاقتها الخاصة بالمدينة عبر تجربتها فيها.
ومن الناحية الفلسفية يربط العمل بين الحضور والذاكرة. الحياة تكتسب قابلية للبقاء حين تدخل فى حكاية، والحكاية تمنح الفرد موقعًا داخل ذاكرة المدينة. ولهذا تبدو خاتمة حكاية إلهام ذات دلالة خاصة حين تختصر تجربتها فى قولها: «كنت هنا، وعشت هنا، وأحببت هنا». تتحول العبارة إلى إعلان رمزى للحضور، وتمنح الحياة اليومية وزنًا يتجاوز حدود التجربة الخاصة.
وتطرح البنية نفسها سؤالًا نقديًا حول من يتكلم. ثمانون شخصية نسائية تتحدث بصيغة المتكلم، وتخرج هذه الأصوات من قلم مؤلف واحد ويحيط بها راوٍ إطارى. يصبح التعدد الصوتى موضوعًا للفحص: مقدار اختلاف لغة المرأة المسنة عن الشابة، وصوت المصرية عن الوافدة، وصاحبة المتجر عن الفنانة والطالبة. كما يصبح تقارب بعض الصور والمفردات بين الحكايات مادة لدراسة حضور صوت المؤلف داخل الأصوات التى يصنعها. وهذه المسألة تمنح القراءة الجندرية عمقًا إضافيًا، لأنها تنقل الاهتمام من عدد النساء إلى كيفية تمثيل المرأة وصناعة صوتها.
أما المؤرخ فيستطيع الإفادة من العمل على مستويين متكاملين. المستوى الأول هو تاريخ التمثيلات؛ فالرواية تكشف طريقة معاصرة فى تخيل الإسكندرية ونسائها وماضيها وتعددها. والمستوى الثانى هو صناعة الأسئلة البحثية: تعليم النساء، والعمل النسائى، وملكية المتاجر، والهجرة إلى المدينة، وعلاقة المرأة بالفضاء العام، وذاكرة الجماعات الدينية والقومية، وحياة الأحياء، والشيخوخة، والعلاقات الأسرية. ثم تنتقل هذه الأسئلة إلى الصحافة والمذكرات والسجلات المدرسية والوثائق البلدية والصور والمقابلات الشفوية.
وفى المحصلة، يقدم «نساء الإسكندرية» المدينة من خلال فسيفساء من الحكايات النسائية، ويضع الجندر والذاكرة واليومى داخل مركز الرؤية. وتظهر قيمته فى تحريك العلاقة بين المتن والهامش، وفى مساءلة المكان والهوية والصوت، وفى استدعاء ماضى الإسكندرية داخل مخيال الحاضر. وتكتسب الرواية أهميتها للمؤرخ من قدرتها على اقتراح مناطق للبحث وصناعة أسئلة حول الحيوات التى بقيت بعيدًا عن مركز السرد التاريخى. يبدأ الأدب بالحكاية، ثم يلتقط المؤرخ السؤال ويبحث عن الإنسان فى الوثيقة والأرشيف.



