منذ أن عرف الإنسان معنى الزمن وهو يقف بين ثلاثة عوالم لا يملك منها إلا واحدًا؛ ماضٍ رحل، وحاضر يعيشه، ومستقبل ينتظره. ولعل من أعجب الظواهر الإنسانية أن الناس فى كل زمان ومكان يكادون يتفقون على عبارة واحدة تتكرر عبر العصور: «كان الماضى أجمل».
وكلما ضاق الحاضر على الناس، فتحوا أبواب الذاكرة. وكلما اشتدت عليهم وطأة الأيام، عادوا يفتشون فى دفاتر العمر عن زمن يظنون أنه كان أكثر رحمة وأقل قسوة. تسمع أحدهم يتحدث عن أخلاق زمان، وآخر يتحسر على أسعار زمان، وثالث يشتاق إلى جيران زمان، حتى يخيل إليك أن الماضى كان جنة كاملة، وأن الشقاء لم يعرف طريقه إلى الأرض إلا فى أيامنا هذه.
لكن هل كان الماضى حقًا كما نتصوره؟ أم أن الذاكرة تمارس علينا واحدة من أذكى حيلها؟
يخبرنا علم النفس أن الإنسان لا يتذكر الماضى كما وقع، بل كما استقر فى وجدانه. يحتفظ العقل باللحظات الدافئة، ويطوى كثيرًا من صفحات الألم. يختزن الضحكات، ويخفف من وقع الدموع. ولذلك يتذكر الشيخ لعبه فى الحقول أكثر مما يتذكر قسوة الفقر، ويتذكر دفء الجيران أكثر مما يتذكر مشقة الحياة، ويتذكر الأصدقاء الذين رحلوا أكثر مما يتذكر الخلافات التى كانت بينهم.
لهذا لا يحن الإنسان غالبًا إلى الزمن نفسه، بل يحن إلى شعوره القديم فى ذلك الزمن. يشتاق إلى أيام كان فيها أقوى جسدًا، وأهدأ قلبًا، وأقرب إلى أحبابه، وأكثر اطمئنانًا إلى مستقبله. إنه يفتقد نفسه القديمة بقدر ما يفتقد الأيام القديمة.
وحين تتكاثر الضغوط وتتعاظم الأزمات يزداد الحنين. تبحث النفس عن ملاذ يحميها من قسوة الواقع، فلا تجد أسرع من الذكريات. تهرب من حاضر يثقلها إلى ماضٍ أعادت هى نفسها رسمه وتجميله. وليس هذا أمرًا يخص جيلًا دون جيل؛ فقد فعل ذلك الناس منذ فجر التاريخ. ما من عصر إلا وشكا أهله زمانهم، وتحدثوا عن زمن سبقهم، وما من جيل إلا وظن أن من بعده أقل حظًا فى الأخلاق والقيم.
ولو كان الماضى كاملًا كما نتخيل، فلماذا كان أهله يشكونه وهم يعيشونه؟
ولو كان الزمن وحده هو المشكلة، فلماذا يختلف الناس فى الحكم على العصر نفسه؟
إن الحقيقة التى يغفل عنها كثيرون أن الأزمنة لا تفسد وحدها، ولا تصلح وحدها، وإنما يصنعها البشر بما يحملون من قيم وما يملكون من ضمائر.
ولذلك ربط القرآن بين حال المجتمعات وحال النفوس فقال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّيٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ». فالتراجع يبدأ من الداخل قبل أن يظهر فى الخارج، والانهيار الأخلاقى يسبق الانهيار الاجتماعي، وفساد الضمير يمهد الطريق لفساد الواقع.
ولم يحارب الإسلام مشاعر الحنين؛ فهى جزء من الفطرة الإنسانية. اشتاق النبى ﷺ إلى مكة بعد أن فارقها، وأحب أرض مولده، واحتفظ فى قلبه بذكرياتها. لكن الشرع لم يسمح للإنسان أن يتحول إلى أسير للماضى أو سجين للذكريات. أراد له أن يتذكر ليعتبر، لا ليكتئب، وأن يتأمل ما مضى ليحسن ما بقى.
ولهذا جاء التوجيه الربانى العجيب: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَيٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ». فلم يجعل الماضى موطن حسرة دائمة، ولم يجعل الحاضر موطن غرور دائم، بل دعا إلى التوازن الذى يحرر الإنسان من الاستغراق فى أى زمن غير الزمن الذى يعيش فيه.
ويبقى السؤال الذى يستحق التأمل: ماذا يفيد أن نبكى على زمن مضي؟ وهل تعود الأيام بالحسرة؟ وهل يصنع الحنين بيتًا أو يبنى وطنًا أو يربى جيلًا؟ وهل نستطيع أن نطالب أبناءنا غدًا بالاعتزاز بماضيهم إذا كنا نحن عاجزين عن صناعة حاضر يستحق الاحترام؟
إن أخطر ما فى الحنين ليس التذكر، بل الاستسلام. وليس استحضار الذكريات هو المشكلة، بل تحويلها إلى وسيلة للهروب من المسؤولية. فحين يكتفى الإنسان بمقارنة الأمس باليوم، ويتوقف عن العمل، يصبح الماضى عبئًا بدل أن يكون مصدر إلهام.
وما أحوجنا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نفتقد الماضى أم نفتقد القيم التى كانت حاضرة فيه؟ وهل نعجز عن استعادة تلك القيم اليوم؟ ومن الذى يمنعنا من الصدق إن افتقدناه؟ ومن الذى يمنعنا من الرحمة إن قلت؟ ومن الذى يمنعنا من الوفاء إن ندر؟
إن كثيرًا مما نبحث عنه فى الأمس يمكن أن نصنعه اليوم. يمكن أن نعيد للأسر دفأها، وللعلاقات صدقها، وللجوار معناه، وللأخلاق مكانتها. فالقيم لا تسكن زمنًا بعينه، وإنما تسكن النفوس التى تؤمن بها وتعمل لها.
قال الشاعر:
وما الماضى وإن عظمت لياليه
بأولى من غدٍ يُرجى ويُنتظرُ
فالأمم لا تعيش على الذكريات، كما أن السفن لا تبحر وهى تنظر إلى الميناء الذى غادرته. تستلهم من الماضى دروسه، ثم تمضي. تتعلم من أخطائه، ثم تبني. تتذكر أمجاده، ثم تعمل لتصنع أمجادًا جديدة.
وما أجمل أن نتذكر الماضى، وما أخطر أن نقيم فيه. فالماضى صفحة قُلبت، والحاضر فرصة تُكتب، والمستقبل ثمرة تُزرع اليوم. ومن الحكمة ألا نحول الذكريات إلى أوثان نعبدها، ولا إلى سجون نحبس أنفسنا فيها، بل نجعلها مصابيح تضىء الطريق ونحن نمضى إلى الأمام.
فالله لم يخلق الإنسان لينظر وراءه طوال العمر، وإنما خلق له عينين تتجهان إلى الأمام، وفتح له أبواب الأمل كما فتح له أبواب الذاكرة، وجعل الليل يعقبه فجر، والعسر يعقبه يسر، والضعف تعقبه قوة، ليبقى المؤمن على يقين بأن أجمل ما فى الحياة ليس ما مضى فقط، بل ما يمكن أن نصنعه أيضًا.
ويبقى تساؤل مهم إجابته عند علماء الاجتماع والنفس: إذا كان الحنين إلى الماضى غريزة إنسانية فكيف نتحرر من حنين إلى الماضى يفسد علينا حاضرنا ويباعد بيننا وبين المستقبل .؟!



