أعاد العمل عن بُعد تشكيل طريقة عيش الملايين حول العالم منذ جائحة «كوفيد - 19»، بعدما منح الموظفين مرونة أكبر وتقليل وقت التنقل. لكن دراسة أميركية حديثة كشفت أن هذا النمط قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت، خصوصاً بسبب تراجع التواصل الاجتماعي، وزيادة الشعور بالوحدة لدى بعض الفئات.
وبعد الجائحة، أظهرت دراسات عدة أن العمل عن بُعد يعزز الرضا الوظيفي وربما يحسن الأداء، خصوصاً على المدى القصير، إلا أن دراسة جديدة نُشرت في مجلة «ساينس» كشفت أن تأثيراته طويلة الأمد على الصحة النفسية قد تكون سلبية.
وقارنت الدراسة بين الأشخاص الذين يعملون في وظائف يمكن تنفيذها عن بُعد، مثل الوظائف التي تعتمد على الحاسوب، وأولئك الذين يعملون في وظائف تتطلب حضوراً شخصياً، مثل عمال المطاعم أو المهن التي تعتمد على التواصل المباشر.
وحلل الباحثون بيانات أكثر من 500 ألف أميركي، ووجدوا أن الجانب الأكثر تأثراً بالعمل عن بُعد كان التواصل الاجتماعي.
العمل عن بُعد يزيد الوقت الذي يقضيه الأشخاص بمفردهم
يُعد البشر كائنات اجتماعية بطبيعتها، وبينما كان الخروج والتحدث مع الآخرين أمراً طبيعياً وروتينياً قبل الجائحة، حدث تحول بعد انتشار «كوفيد - 19»، إذ أصبح الأشخاص الذين يعملون عن بُعد يقضون، في المتوسط، ساعة إضافية يومياً بمفردهم مقارنة بمن يعملون في وظائف غير قابلة للعمل عن بُعد.
ورصدت الدراسة تراجعاً في الصحة النفسية مع مرور الوقت، إذ ارتفعت مؤشرات الضيق النفسي لدى العاملين عن بُعد، كما زادت مستويات الاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة مقارنة بالأشخاص الذين يعملون في وظائف تتطلب الحضور إلى مكان العمل.
لكن الدراسة كشفت جانباً مختلفاً من الصورة.
العيش مع الأسرة يخفف الآثار السلبية للعمل عن بُعد
الأشخاص الذين كانوا يعيشون مع عائلاتهم لم يسجلوا ارتفاعاً في مستويات الضيق النفسي عند العمل عن بُعد، كما لم يلاحظ لديهم ارتفاع كبير في الوقت الذي يقضونه بمفردهم.
في المقابل، شهد الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم تغيراً واضحاً في نسبة الوقت الذي يقضونه وحدهم، إضافة إلى ارتفاع مستويات الضيق النفسي، واستمر هذا التأثير حتى بعد انتهاء مرحلة الجائحة.
كما أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين انتقلوا حديثاً إلى العمل عن بُعد لم يعانوا من زيادة في الضيق النفسي أو العزلة، ما يشير إلى أن المشكلة قد لا تكون نتيجة قصيرة المدى للعمل عن بُعد، بل التأثير يظهر مع مرور الوقت.
العمل الحضوري قد يكون أكثر فائدة لبعض الأشخاص
يرى الباحثون أن الأشخاص الذين يعيشون مع أسرهم قد يستفيدون من العمل عن بُعد، لأنه يمنحهم وقتاً أكبر لقضائه مع أفراد عائلاتهم بدلاً من العزلة.
أما الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، فقد يكون العمل الحضوري أكثر فائدة لهم، لأنه يوفر فرصاً أكبر للتفاعل الاجتماعي.
لكن يوجد جانب آخر يتعلق بفئات معينة من الموظفين، إذ أشار تقرير أعدته مؤسسة «نيوروبريدج» إلى أن بعض الموظفين ذوي الاختلافات العصبية، مثل المصابين بالتوحد أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، يعدون سياسات العودة إلى المكتب من أبرز مصادر الضغط في العمل.
وقد لا يستفيد هؤلاء الأشخاص بالقدر نفسه من التواصل الاجتماعي المباشر في بيئة العمل، بل قد يصبح هذا التواصل مصدراً للتوتر بدلاً من أن يكون عاملاً داعماً.
نتائج مختلفة وفق ظروف الموظفين والثقافات
تشير هذه النتائج إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم، وأن نمط العمل الهجين قد يكون خياراً أكثر توازناً لبعض الفئات.
وأظهرت دراسة أخرى شملت 1600 موظف صيني أن المرونة في العمل ونظام العمل الهجين حسّنا الرضا الوظيفي والأداء وحتى الصحة النفسية، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يواجهون رحلات تنقل طويلة إلى أماكن العمل، وكذلك لدى النساء.
الحاجة إلى مزيد من الدراسات حول مستقبل العمل
تعزز هذه النتائج ما توصلت إليه الدراسة الأميركية الجديدة، إذ يبدو أن ظروف المعيشة تلعب دوراً مباشراً في تحديد تأثير العمل عن بُعد على المدى الطويل.
لكنّ الباحثين يؤكدون الحاجة إلى مزيد من الدراسات لمعرفة ما إذا كانت هذه النتائج تنطبق على جميع الفئات السكانية والدول المختلفة، إذ قد تختلف طبيعة العمل الحضوري بين الولايات المتحدة ودول أخرى مثل إسبانيا أو اليابان.
كما يمكن لطريقة تنظيم المدن ووسائل النقل أن تؤثر في النتائج؛ ففي الولايات المتحدة يعتمد كثيرون على السيارات للتنقل، بينما تعتمد مدن مثل باريس على المترو والقطارات، كما أن سهولة المشي في المدن قد توفر فرصاً أكبر للتفاعل الاجتماعي خارج مكان العمل.



