سياسة جريدة الجمهورية

ترزية التعليم.. وامتحانات الثانوية العامة 2026

في الحياة السياسية المصرية، اعتاد الناس إطلاق لقب “الترزية” على القيادات والخبراء الذين يمتلكون مهارة خاصة في صياغة وإخراج القوانين والقرارات، بما يحقق التوازن الدقيق بين أهداف الدولة ومصالح المواطنين. ورغم غرابة اللقب، فإنه يُمنح لأصحاب الحرفية العالية والقدرة على صياغة القرارات باحترافية، بما يضمن تحقيق المستهدف منها بأفضل صورة. وفي ملف التعليم، ظهرت بصمات […]

ترزية التعليم.. وامتحانات الثانوية العامة 2026
15 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

في الحياة السياسية المصرية، اعتاد الناس إطلاق لقب “الترزية” على القيادات والخبراء الذين يمتلكون مهارة خاصة في صياغة وإخراج القوانين والقرارات، بما يحقق التوازن الدقيق بين أهداف الدولة ومصالح المواطنين. ورغم غرابة اللقب، فإنه يُمنح لأصحاب الحرفية العالية والقدرة على صياغة القرارات باحترافية، بما يضمن تحقيق المستهدف منها بأفضل صورة.

وفي ملف التعليم، ظهرت بصمات هذه الكفاءات بوضوح في قرارات حظيت بتقدير مجتمعي واسع، مثل طرح نظام “البكالوريا المصرية”، وإقرار تدريس مواد الهوية الوطنية في المدارس الدولية. وهي صياغات ذكية وازنت بين أهداف الدولة في تطوير التعليم وتحقيق الرضا المجتمعي.

لكن المشهد بدا مختلفًا تمامًا في امتحانات الثانوية العامة هذا العام، وبالتحديد في امتحان الكيمياء الذي أداه ما يقرب من 680 ألف طالب وطالبة.

فمنذ الدقائق الأولى لانتهاء الامتحان، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بطوفان من مشاهد الانهيار وشكاوى أولياء الأمور.

وأجمع معلمو المادة على أن الأزمة الحقيقية لم تكن في صعوبة الأسئلة وحدها، بل في “المعادلة الزمنية المفقودة”؛ إذ جاءت الأسئلة مركبة ومعقدة وذات خطوات متعددة، ووضعت أمام الطالب في زمن لا يكفي حتى للقراءة الهادئة والاستيعاب.

وهنا غاب “الترزي التربوي” الذي يزن بميزان الذهب العلاقة بين “عمق الفكرة” و”ثواني الساعة”. ورغم صدور بيان المركز القومي للامتحانات، في خطوة غير مألوفة، فإنه لم ينجح في احتواء الأزمة؛ لأنه دافع عن مشروعية الأفكار، وأنها جاءت من النماذج الاسترشادية، وتجاهل جوهر الأزمة، وهو منطقية الوقت.

وفي مثل هذه المواقف، لا ينتظر الرأي العام دفاعًا بروتوكوليًا عن الامتحان، بقدر ما ينتظر رسالة طمأنة تنحاز إلى مصلحة الطلاب. وكان يمكن إغلاق باب الجدل مبكرًا بقرار تقليدي وعلمي، عبر إعلان تصحيح عينة عشوائية عاجلة من كراسات الإجابة، تُظهر المؤشرات الحقيقية بعيدًا عن ضجيج مواقع التواصل الاجتماعي، وهي آلية تكررت كثيرًا في تاريخ امتحانات الثانوية العامة.

وأثق أن وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، يمتلك الشجاعة التربوية والسياسية لاتخاذ ما يراه في صالح الطلاب. ولنا في تجربة عام 2024 دليل، حين أحال لجنة واضعي امتحان الفيزياء إلى التحقيق، وأقر إضافة درجتين للطلاب بعد توليه المسؤولية بأسبوع تقريبًا، وهو موقف أكد من خلاله أن تصحيح المسار لا ينتقص من هيبة الوزارة، بل يرسخ ثقة المجتمع في عدالتها.

وأخيرًا، يبقى الدرس الأعمق أن الضغوط النفسية الهائلة التي تعيشها الأسر المصرية بسبب امتحانات الثانوية العامة، والتي تصل في بعض المشاهد الصادمة إلى حدود اليأس وفقدان الحياة خوفًا من المستقبل، تستوجب نسف فلسفة “الامتحان الأوحد” من جذورها.

ومن هنا تزداد قناعتي بأن تطبيق نظام “البكالوريا المصرية”، بما يتيحه من تعدد الفرص وتفتيت عبء السنة الواحدة، لم يعد مجرد رفاهية أو مشروع تطوير، بل أضحى ضرورة تربوية وإنسانية عاجلة لإنقاذ بيوت مصر من مقصلة “الفرصة الأخيرة”.

[email protected]

مقالات ذات صلة