أتابع بكل اهتمام كافة المقالات والندوات التى تتحدث عن جيل «زد» وهو جيل الشباب المولود ما بين عامى 1997 2012- والذى يوصف بأنه جيل الإنترنت أو الجيل الرقمى والذى نشأ فى عصر التكنولوجيا ووسائل الاتصالات السريعة وشبكات التواصل الاجتماعى التى ربطت شباب العالم ببعضهم من خلال سرعة الوصول إلى المعلومات والانفتاح على العالم بلا حواجز وهو الأمر الذى جعله لا يفضل الدخول فى التفاصيل أو المحتوى الطويل والتقليدى بل ينجذب إلى الرسائل المختصرة والمباشرة كما أنه يتميز بالوعى الكبير بالقضايا الإنسانية والاجتماعية والتحولات الدولية حتى أننا نشهد أحياناً العديد من الأزياء التى يرتديها الشباب فى دولة ما تتكرر فى دول أخرى حتى ولو كان ذلك فى الشكل فقط دون الجوهر.. كما نجد العديد منهم يندفع فى الحكم على الوقائع أو المعطيات أو الأحكام والقرارات إما بالتأييد المطلق أو بالرفض التام مع توجيه سهام النقد والانتقاد دون محاولة الوقوف على الأسباب.
كان السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى أول من أشار إلى أهمية وخطورة هذه الفئة العمرية من الشباب حيث أصدر توجيهاته بضرورة حماية النشء من مخاطر استخدام مواقع التواصل الاجتماعى وضرورة إعداد مشروع قانون ينظم وضع ضوابط لذلك يحقق من خلاله التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة مع الحماية من المخاطر الرقمية بما يضمن بيئة رقمية آمنة ومسئولة مسترشداً فى ذلك بالتجارب الدولية فى حماية النشء فى كل من فرنسا وانجلترا وألمانيا وأستراليا.
من خلال خبرتى الأمنية وما سبق أن أشرنا إليه فى مقالات سابقة من تعرض جماعة الإخوان الإرهابية لضربات استباقية وتفكيك لتنظيمها الداخلى بالبلاد مما أفقدها القدرة على التحرك وجعلها فى حالة «كمون» مؤقت بعدما فقدت العديد من كوادرها وهروب عناصرها خارج البلاد إلى وضع خطة لاستهداف هذا الجيل عبر منصات التواصل والألعاب الإلكترونية فى محاولة إلى إعادة إنتاج عناصر جديدة بعد تراجع تأثير الجماعة الشعبى فى أعقاب ثورة يونيو 2013 حيث تحاول الجماعة إيجاد صياغة حديثة وخطابات تستند إلى المظلومية لدى الشباب الذين لم يعاصروا أحداث العنف والإرهاب والاضطرابات المرتبطة بهذا التنظيم الإرهابى وهو ما حذر منه السيد الرئيس.. وهنا نشير بالفعل إلى إنه قد تم رصد العديد من الصفحات الإخوانية تخاطب «جيل زد» للدعوة إلى العصيان وصناعة التمرد على مؤسسات الدولة والزعم بأن ذلك حراك شبابى غير موجه ينتقد الأوضاع الداخلية فى البلاد وهى فى الحقيقة حملة مصنوعة تديرها صفحات تابعة لحركة «ميدان» التابعة للجان الإليكترونية للجماعة الإرهابية ويديرها مجموعة من الكوادر الهاربة على رأسهم الإرهابى يحيى موسى الذى يحاول أن يخلق وجوداً جديداً للتنظيم بعد حالة الضعف والتفكك التى انتابت كيانها الداخلى.
من البديهى هنا أن يكون أحد أهم محاور تركيز للجماعة الإرهابية فى مجال الاستقطاب الفكرى هو القطاع الطلابى من شباب الجامعات وأيضاً طلبة المراحل الثانوية باعتبارهم يمثلون الشريحة الأكثر تأثراً والأسهل استقطاباً خاصة وأن أعمارهم خلال فترة الأعمال الإرهابية التى قامت بها الجماعة لم يتعد 5 سنوات على الأكثر وإنهم لم يشاهدوهم إلا وهم فى السجون أو من خلال صفحاتهم التى يجيدون إدارتها بشكل يجعل هناك حالة من التعاطف معهم وصياغات خطابية تولد المشاعر الإيجابية تجاههم حتى ولو كان ذلك من خلال روايات مختلقة وأكاذيب منمقة تنشر من داخلها إرهاصات لمحتوى فكرى أصولى متطرف يمكنهم من الاستقطاب والتجنيد وفقاً للأهداف التى يحاولون تحقيقها من خلال سيناريوهات مختلفة وأساليب متطورة تدرك أهمية التحولات الاجتماعية والفكرية بين الشباب وتنتقل بهم من مرحلة إلى أخرى معتمدة فى ذلك على القوة الناعمة التى لا تصطدم بالنظام القائم بشكل علنى ولكن بالسعى الهادئ والمتزن للسيطرة على وعى الشباب وتأطير أفكارهم بعيداً عن الانتماء المباشر مستغلة فى ذلك وسائل الإعلام والفضاء الرقمى وبرامج التنمية البشرية والثقافية بل وأحياناً الفنية والرياضية.. ومن هنا فإن هذا الاستهداف- كما ذكرنا- ليس عشوائياً بل مقصوداً ومدروساً نظراً لما يمثله هذا الجيل من قوة تأثير فى المجتمع المصرى ومواقع التواصل ويكفى هنا أن نشير إلى أن هذه الفئة العمرية تمثل حوالى 40 ٪ من الشباب فى الوقت الحالى وهى أكثر فئة استخداماً للإنترنت ومنصات التيك توك وانستجرام وغيرها وهو ما يجعل الوصول إليها سهلاً عبر حملات ممنهجة أو محتوى مفبرك يظهر فى صيغة ترفيهية أو معلوماتية جذابة وبشكل يسهل معه التلاعب بمعلوماتهم التاريخية عن الجماعة الإرهابية.
والأن نأتى إلى السؤال الرئيسى وهو.. ما هو الدور المجتمعى الذى يجب أن نقوم به جميعاً لحماية هذا الجيل من خطر استهدافه واستقطابه من قبل جماعة الإخوان الإرهابية أو حتى الوقوع فى براثن العنف أياً ما كان نوعه أو محاولات التأثير على انتمائه وولائه لوطنه بأى شكل من الأشكال؟.
إنها مسئولية مشتركة بين جميع أجهزة الدولة دون استثناء وتشمل الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية والشبابية والرياضية والإعلامية وجميعها تهدف إلى الاستفادة من طاقتهم بشكل يساهم فى النهوض بمستقبل البلاد إذا تم توجيهه بصورة صحيحة.. إن تحصين الشباب ضد التضليل والخداع وخلق مسارات حقيقية لهم للإبداع والمشاركة الفعلية فى التعامل مع الواقع لم يعد خياراً بل ضرورة إستراتيجية لصناعة مستقبل قوى ومستقر.. من الواجب أيضاً أن يتسلح هذا الجيل بالمعلومة الصحيحة حتى لا يقع تحت تأثير الشائعات خاصة إن شائعة واحدة فى هذا العالم الافتراضى تنتشر بين الملايين فى دقائق معدودة خاصة لو كانت متعلقة بالأمن أو الاقتصاد.. فى ذات الوقت فإن الإعلام يجب أن يعتمد على المشاركة بحيث يشعر الشباب بأنهم جزء من صناعة المحتوى وليسوا مجرد تابعين له.. كما أن الأحزاب لابد أن يكون لها دور أكثر ايجابية فى احتواء شبابها والعمل على استغلال طاقاتهم بالأسلوب الأمثل من خلال خلق فرص عمل ومشروعات صغيرة وندوات كثيرة.
إن جيل «زد» يمثل مستقبل المجتمع خاصة إذا نجحنا فى فهم خصائصه واحتياجاته والتواصل معه بلغة العصر ليكون له تأثير حقيقى فى بناء دولة قوية ومستدامة.

