اقتصاد جريدة الجمهورية

المنصـات.. وتحـديات الصحـافة

لم تعد أزمة الصحافة في عام 2026 مرتبطة فقط بتراجع توزيع الصحف الورقية أو انخفاض عوائد الإعلانات التقليدية، بل أصبحت أزمة وجودية تتعلق بموقع الصحافة نفسها داخل منظومة الاتصال الجديدة. فالمشكلة لم تعد كيف تنتج المؤسسات محتوى جيدًا، وإنما كيف تضمن وصول هذا المحتوى إلى الجمهور في عالم أصبحت فيه المنصات ...

المنصـات.. وتحـديات الصحـافة
19 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

لم تعد أزمة الصحافة في عام 2026 مرتبطة فقط بتراجع توزيع الصحف الورقية أو انخفاض عوائد الإعلانات التقليدية، بل أصبحت أزمة وجودية تتعلق بموقع الصحافة نفسها داخل منظومة الاتصال الجديدة. فالمشكلة لم تعد كيف تنتج المؤسسات محتوى جيدًا، وإنما كيف تضمن وصول هذا المحتوى إلى الجمهور في عالم أصبحت فيه المنصات الرقمية هي الحارس الوحيد للبوابة.

تقرير الأخبار الرقمية 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة يقدم صورة دقيقة ومقلقة في الوقت ذاته؛ إذ يكشف أن منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الفيديو تجاوزت للمرة الأولى المواقع الإخبارية والتلفزيون كمصدر رئيسي للأخبار لدى الجمهور العالمي. وهذه ليست مجرد أرقام إحصائية، بل مؤشر على تحول تاريخي في موازين القوة داخل الصناعة الإعلامية.

لقد اعتادت المؤسسات الصحفية لعقود طويلة أن تكون هي من يحدد ما يُنشر ومتى يُنشر وكيف يصل إلى الجمهور. أما اليوم، فإن الخوارزميات هي التي تتولى هذه المهمة. فالقارئ لم يعد يدخل إلى موقع الصحيفة بحثًا عن الخبر، بل يصادفه أثناء تصفحه لفيديو قصير أو منشور على منصة اجتماعية. وهنا تفقد المؤسسة الإعلامية أهم أصولها: العلاقة المباشرة مع الجمهور.

الأكثر خطورة أن الخبر نفسه لم يعد هو المنتج النهائي، بل أصبح مجرد مادة خام تتنافس عليها المنصات وصناع المحتوى وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. فبينما تنفق المؤسسات الملايين على جمع المعلومات والتحقق منها وصياغتها، تأتي منصات الذكاء الاصطناعي لتلخص المحتوى وتعيد تقديمه للمستخدم داخل واجهاتها الخاصة دون الحاجة إلى زيارة المصدر الأصلي.

إننا أمام تحول من «اقتصاد الزيارة» إلى «اقتصاد الإجابة»، ففي الماضي كان القارئ يزور الموقع للحصول على المعلومة، أما اليوم فالمعلومة تذهب إليه جاهزة ومختصرة حيث يوجد. ومع كل إجابة تقدمها روبوتات الدردشة، تخسر المؤسسات الصحفية جزءًا من جمهورها وعوائدها وفرص نموها المستقبلية.

ومن بين أبرز ما كشفه التقرير أيضًا صعود الفيديو بوصفه اللغة الإعلامية الأولى لدى الأجيال الجديدة. فالنصوص الطويلة لم تعد الوسيلة المفضلة لدى قطاع واسع من الجمهور، بينما أصبح الفيديو القصير والسريع أكثر قدرة على جذب الانتباه. غير أن هذا التحول يضع غرف الأخبار أمام معضلة حقيقية: كيف تحافظ على عمق المضمون ومهنيته في بيئة تكافئ السرعة والاختصار والإثارة؟

ولعل التحدي الأكبر لا يأتي من المنصات وحدها، بل من صناع المحتوى الذين نجحوا في بناء علاقة شخصية ومباشرة مع الجمهور. فالكثير من الشباب باتوا يتابعون الأخبار من خلال شخصيات رقمية يثقون بها أو يشعرون بالقرب منها، أكثر من متابعتهم للمؤسسات الإعلامية التقليدية. وهنا لم تعد المنافسة بين صحيفة وأخرى أو قناة وأخرى، بل بين المؤسسة الإعلامية والفرد المؤثر.

ورغم كل ذلك، يحمل التقرير رسالة مهمة للصحفيين والمؤسسات الإعلامية: الجمهور لم يتخلَّ عن الحاجة إلى الصحافة، بل ما زال يبحث عن المعلومة الموثوقة والتفسير العميق والتحليل المتوازن. فالمشكلة ليست في قيمة الصحافة، وإنما في طريقة وصولها إلى الناس.

[email protected]

مقالات ذات صلة