الدوحة – يحتضن مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات الدورةَ الخامسة والثلاثين لمعرض الدوحة الدولي للكتاب، بمشاركة أكثر من 520 داراً للنشر من 37 دولة، وأكثر من مليون و850 ألف كتاب، في نسخته الأكبر تاريخيا.
غير أن هذا الحضور القياسي لا يخفي قلقا عميقا يساور الكتّاب والمؤلفين الذين التقت بهم الجزيرة في أروقة المعرض؛ إذ يرون أن هذه التحولات الجارية لا تمسّ أدوات الكتابة وحدها، بل تطال هوية الكاتب ذاته وعلاقته بجمهوره.
اقرأ أيضا
الذكاء الاصطناعي والأمانة الفكرية
لعل أبرز هذه التحولات دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي ميدان الكتابة، ليُعيد طرح أسئلة قديمة في صورة جديدة حول جوهر الأمانة الفكرية، ومعنى الجهد الإبداعي الحقيقي.
يقول الكاتب والباحث لقاء مكي للجزيرة إن الإشكال لا يكمن في الأداة نفسها، بل في طريقة توظيفها، مشيرا إلى أن الخطر الحقيقي يبدأ حين تُستخدم بلا ضوابط؛ إذ لم يعد الانتحال مجرد نقل دون نسب، بل بات يصل إلى إنتاج نصوص كاملة تُنسب إلى أصحابها دون أن يكون لهم فيها جهد حقيقي.
الذكاء الاصطناعي قد يؤدي جانبا من عمل المترجم في النصوص المباشرة، لكنه يعجز عن صنع ترجمة شعرية نابضة بالحياة؛ لأن ترجمة الشعر تحتاج إلى حس باللغة، وإدراك للإيقاع، وقدرة على التقاط روح القصيدة
بيد أن الذكاء الاصطناعي، وإن أجاد محاكاة الكتابة في صورها النثرية، يقف عاجزا حين يواجه الشعر. فترجمة القصيدة تتجاوز نقل المعنى إلى نقل الروح، وهو ما لا تستطيع الآلة اختزاله في معادلة؛ إذ يكون المعبور بين لغتين روحا لا بنية، وإيقاعا لا قاعدة.
ويؤكد الكاتب والمترجم حسين النهابة للجزيرة أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي جانبا من عمل المترجم في النصوص المباشرة، لكنه يعجز عن صنع ترجمة شعرية نابضة بالحياة؛ لأن ترجمة الشعر تحتاج إلى حس باللغة، وإدراك للإيقاع، وقدرة على التقاط روح القصيدة.
تراجع القراءة وتحولات الذائقة
لكن الأزمة لا تقف عند الكاتب، بل تطال أيضا ذائقة القراء. فمع ضغط المنصات الرقمية والمحتوى السريع، باتت أنماط القراءة أكثر هشاشة وأقل عمقا. ويرجع الروائي ناصر يوسف المحسن في حديثه للجزيرة هذا التراجع إلى هيمنة المحتوى الخفيف الذي قلّص صبر الجمهور على النصوص الطويلة، مؤكدا أن القراءة اليوم لم تعد كما كانت بالأمس.
والمفارقة أن هذه المنصات، التي أسهمت في تراجع القراءة، باتت في الوقت ذاته تفرض نفسها على الكاتب بوصفها المكان الذي تُدار فيه صلته بجمهوره، ما يضعه أمام معادلة لم تكن مطروحة من قبل: كيف يوازن بين عزلته الإبداعية وإدارة حضوره الرقمي؟
يلفت الكاتب والروائي سجاد الزيدي للجزيرة إلى أن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت كثيرا من طبيعة العلاقة بين الكاتب وجمهوره، غير أن الخطر الحقيقي يبدأ حين يتحول الكاتب من صاحب مشروع أدبي إلى صانع محتوى يطارد التفاعل السريع، مؤكدا أن وسائل التواصل يمكن أن تكون نافذة للتعريف بالكتب والقراءة، لا بديلا عن الكتابة ذاتها.
وأمام هذا الضغط المتصاعد، يبقى السؤال قائما عن قدرة الكاتب على الحفاظ على منهجه ورؤيته؛ فبينما تدفعه المنصات نحو ما يُرضي الجمهور ويضمن الانتشار، تظل الكتابة العميقة تحتاج إلى شيء آخر لا تمنحه المنصات ولا تقيسه التفاعلات.
ويحذر الكاتب والباحث أحمد فوزي فارس في حديثه للجزيرة من أن الكاتب الحقيقي لا بد أن يكون له منهج يسير عليه، وأن الانجراف الكامل نحو ما يطلبه الجمهور وحده كفيل بإضعاف العلم وإفقار الثقافة.
الكاتب الحقيقي لا بد أن يكون له منهج يسير عليه، والانجراف الكامل نحو ما يطلبه الجمهور وحده كفيل بإضعاف العلم وإفقار الثقافة.
الكاتب والرقابة الذاتية
ثمة حدود أخرى، أقدم وأثقل من تلك التي ترسمها المنصات؛ حدود تصنعها السياسة والمجتمع، وتجعل بعض الحقائق مكلفة القول. ويُقرّ الزيدي بأن الكاتب لا يكتب دائما بحرية مطلقة؛ إذ تتحول بعض الموضوعات، كالسياسة والدين وحتى الأسماء الشخصية، إلى مناطق شديدة الحساسية، فيلجأ الكاتب إلى الرمز والأسماء المتخيلة، ليس لأنه يفتقر إلى الشجاعة، بل لأن قول الحقيقة في بعض السياقات قد يكون مكلفا.
الكتاب لم يمت
وسط هذا المشهد المثقل بالأسئلة، يرفض بعض الكتّاب الاستسلام لهذه القراءة القاتمة. ويرى الروائي والشاعر محمد إبراهيم السادة في حديثه للجزيرة أن الإقبال الواسع الذي يشهده المعرض هذا العام دليل على أن الكتاب المطبوع لم يمت، معربا عن أمله في أن يحمل هذا الجيل والأجيال القادمة هذه الراية، وأن يظل الكتاب في قلب الثقافة العربية.
لكن التفاؤل لا يُسكت السؤال الأعمق: لا يتعلق الأمر هنا بما إذا كانت الكتابة ستبقى، بل بأيّ كتابة ستنجو في عالم باتت فيه المنصة تملي إيقاع القراءة، والآلة تُملي إيقاع الكتابة.



