سياسة جريدة الدستور

كيف تختار الحكومة وزير الثقافة في مصر؟

كيف تختار الحكومة وزير الثقافة في مصر؟
31 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الدستور

زيارة المصدر

ليست كل الحقائب الوزارية سواء، وليست كل المناصب العامة تُقاس بالمعيار نفسه، فهناك وزارات تبني الطرق، وأخرى تدير الاقتصاد، وثالثة تطور الصناعة أو الزراعة، أما وزارة الثقافة فهي الوزارة التي تبني الإنسان نفسه، وإذا كان بناء الطريق يحتاج إلى خرسانة وحديد، فإن بناء الإنسان يحتاج إلى فكرة، وإلى وعي، وإلى هوية، وإلى مشروع حضاري يعرف من أين جاء وإلى أين يريد أن يمضي.

وفي الدول التي لا تمتلك تاريخًا، قد تكون الثقافة ترفًا، أو وزارةً يمكن أن تُدار بعقلية الموظف، أو حقيبةً تُستكمل بها قائمة تشكيل الحكومة.

ولذلك، فإن السؤال الذي فرض نفسه بعد استقالة وزيرة الثقافة في حكومة الدكتور مصطفى مدبولي الحالية على خلفية صدور حكم قضائي نهائي بإدانتها في قضية "ملكية فكرية"، لا يتعلق بشخصها، ولا ينبغي أن يتوقف عند تفاصيل قضية بعينها، فالأشخاص يذهبون، والمناصب لا تبقى لأحد، والحكومات تتغير، لكن السؤال الذي يبقى هو: كيف تختار الحكومة وزير الثقافة؟

ذلك السؤال لا يخص حكومة بعينها، ولا وزيرًا بعينه، وإنما يكشف طريقة تفكير الدولة في واحدة من أخطر الوزارات وأكثرها تأثيرًا في مستقبل الوطن، وماذا تعني الثقافة لدولة عمرها سبعة آلاف عام؟ فمصر ليست دولة ناشئة، إنها واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية، التي لم تصنعها الجيوش وحدها، ولم يبنها الاقتصاد وحده، وإنما صنعتها الثقافة، وصنعها العقل المصري، وصنعتها القدرة الفريدة على إنتاج المعرفة والفن والأدب والفلسفة والدين والعمارة، حتى أصبحت مصر، عبر آلاف السنين، مصدرًا للهوية في محيطها قبل أن تكون مجرد دولة على الخريطة.

 ولذلك فإن الثقافة بالنسبة لمصر ليست قطاعًا خدميًا، ولا مجرد ماكياج سياسي، وإنما هي الذاكرة الوطنية، والهوية، والقوة الناعمة، وأداة تشكيل الوعي الجمعي، والثقافة هي التي تحمي المجتمع من التطرف، ومن التفاهة، ومن فقدان الهوية، ومن الاستلاب الفكري، والدولة التي تهمل الثقافة، تفتح أبوابها لأي ثقافة وافدة كي تعيد تشكيل عقل أبنائها.

ولهذا تبدو وزارة الثقافة في مصر أكبر كثيرًا من مجرد وزارة تنظم معرضًا للكتاب، أو تدير دارًا للأوبرا، أو تشرف على قصور الثقافة والمتاحف والمكتبات، أو تصدر تصاريح الرقابة على المصنفات الفنية، لكنها الوزارة التي يقع على عاتقها حماية الشخصية المصرية من التآكل، وصيانة الهوية من التشويه، ومواجهة التطرف كما تواجه التفاهة، ومقاومة الانغلاق الفكري، إنها وزارة مسؤولة عن أمن لا تحرسه الدبابات، وإنما يحرسه الوعي.

ولست أقول ذلك من فراغ، وإنما مما تابعته على مدار سنوات في لقاءاته وأحاديث وتصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، حيث لم يكد يخلو حديث له من التأكيد على أن معركة الوعي هي أخطر معارك الدولة المصرية، وأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المدن والطرق والمصانع، ولطالما كرر الرئيس، حتى كاد يجف حلقه من كثرة التذكير، مناشدًا الإعلام، والثقافة، والتعليم، والمؤسسات الدينية، وكل أجهزة الدولة المعنية بتشكيل الوعي، أن تؤدي رسالتها في ترسيخ الهوية الوطنية، وصناعة الشخصية المصرية، وحماية الأجيال من الفكر المتطرف ومن طوفان التفاهة والاستلاب، ومع ذلك، لا يزال الرئيس في كل مناسبة تقريبًا يعود إلى الرسالة ذاتها، وكأنه يقول إن ما تحقق لم يبلغ بعد المستوى الذي يطمح إليه، وإن معركة الوعي ما زالت تنتظر من يحملها بجدية توازي حجم التحديات التي تواجه هذا الوطن.

والمؤسف أن الحكومات المتعاقبة – في أعقاب أحداث 25 يناير عام 2011م– كثيرًا ما تعاملت مع وزارة الثقافة باعتبارها حقيبة بروتوكولية، يُختار لها اسم معروف في الوسط الثقافي أو الأكاديمي، ثم يُترك ليدير مؤسسة كبيرة بلا مشروع وطني واضح، وكأن المطلوب من الوزير أن يكون مديرًا إداريًا، لا قائدًا لمعركة الوعي.

ولعل أكثر ما يكشف حجم الأزمة أن كثيرين باتوا يشعرون بأن الفنان فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق حتى يناير 2011، كان آخر وزير ثقافة حقيقي عرفته مصر، فمنذ أن غادر مكتبه، لم تغادر الوزارة وزيرًا فحسب، بل غادرها المشروع، وخفت بريقها، وضاقت أنفاسها، حتى بدا وكأنها مؤسسة تؤدي واجبًا إداريًا، لا رسالة حضارية. 

لم يكن فاروق حسني مجرد مسؤول يتولى حقيبة وزارية، بل كان حالة ثقافية كاملة، يمتلك حضورًا دوليًا، وعلاقات واسعة، ورؤية واضحة، وقدرة على أن يجعل من الثقافة ملفًا حاضرًا في دوائر القرار، وأن يمنح الفنانين والمبدعين شعورًا بأن لهم دولة ترعاهم، ولا خلاف على أن الوزارة في عهد فاروق حسني كانت حاضرة، وأن الثقافة كانت تتنفس، وأن مصر كانت تمتلك مشروعًا ثقافيًا واضح الملامح، ومنذ تركه لمنصبه، لم ينجح أحد في أن يملأ هذا الفراغ، ليس لأن الكفاءات قد انقرضت، وإنما لأن رؤساء الحكومات المتعاقبة لم يبحثوا عن رجل يحمل مشروعًا بحجم وزارة الثقافة، كما حمله بأمانة وضمير وفكر كبير الفنان فاروق حسني، بل بحثوا عن وزير يدير ملفاتها اليومية، بينما بقي المشروع غائبًا، وبقي الفراغ أكبر من أن يملأه مجرد تغيير للأسماء. 

وهنا يكمن الخلل، فوزير الثقافة ليس مطلوبًا منه أن يكون أشهر روائي، ولا أعظم شاعر، ولا أكثر الفنانين جماهيرية، ولا رئيس هيئة ثقافية بعينها، كما أن وزير الصحة ليس بالضرورة أشهر جراح، ووزير التعليم ليس بالضرورة أعظم أستاذ جامعي، فالمطلوب هو رجل دولة يمتلك رؤية، ويفهم أن الثقافة ليست رفاهية، بل أحد أعمدة الأمن القومي.

إن مصر اليوم تخوض معارك كثيرة، معركة الاقتصاد، ومعركة التنمية، ومعركة التكنولوجيا، لكن أخطر هذه المعارك جميعًا هي معركة الوعي، فما قيمة مدينة جديدة إذا كان الإنسان الذي يسكنها بلا انتماء؟ وما قيمة مصنع عملاق إذا فقد العامل فيه احترام العمل؟ وما قيمة جامعة حديثة إذا كان خريجوها لا يملكون عقلًا ناقدًا ولا ذوقًا جماليًا ولا إدراكًا لهويتهم الوطنية؟

كل هذه الأسئلة تقودنا إلى حقيقة واحدة، هي أن الثقافة ليست وزارة خدمات، وإنما وزارة صناعة الإنسان، لذلك فإن وقوع وزير الثقافة في قضية ملكية فكرية، ليس مسئولية الوزير وحده، ولكنه أيضا مسئولية رئيس الحكومة الذي إختاره، وكم من تحذيرات وانتقادات دارت حول هذا الأمر عند تشكيل وزارة الدكتور مصطفى مدبولي الأخيرة، وللأسف لم يؤخذ بها. 

إن اختيار وزير الثقافة يجب أن يخضع لمعايير تختلف عن أي وزارة أخرى، ويجب الخروج من الصندوق التقليدي لاختيار وزير الثقافة باعتباره مجرد المدير الأعلى للوزارة فقط، بل يجب أن يكون صاحب مشروع فكري عظيم، لا صاحب منصب فقط، وأن يكون صاحب رؤية، لا صاحب شهرة... رجلًا يؤمن بأن الثقافة لا تُدار من المكاتب، وإنما تنزل إلى المدارس والجامعات والمصانع والقرى والنجوع، وتصل إلى الطفل قبل أن يصل إليه التطرف، وإلى الشاب قبل أن تبتلعه منصات العبث، وإلى الأسرة قبل أن تُسرق منها هويتها.

ولعل السؤال الأكثر إيلامًا هو: لماذا لم تعد وزارة الثقافة تمتلك المشروع الذي كان يميزها في عقود سابقة؟ ولماذا أصبح النشاط الثقافي موسمًا للمهرجانات والاحتفاليات، بينما تراجع تأثيره الحقيقي في المجتمع؟ ولماذا أصبحت قصور الثقافة في كثير من الأماكن مباني صامتة، بدلًا من أن تكون مصانع للمواهب والعقول؟ ولماذا لم تعد مصر، وهي صاحبة الريادة الثقافية العربية، قادرة على تصدير مشروع ثقافي يليق بتاريخها؟

الإجابة لا تتعلق بالأشخاص وحدهم، وإنما بطريقة التفكير... فحين يتحول المنصب إلى مكافأة، يغيب المشروع، وحين يصبح الاختيار قائمًا على التوازنات، لا على الكفاءة والرؤية، تصبح الوزارة مجرد جهاز إداري يؤدي أعمالًا روتينية، بينما تتراجع رسالتها الحقيقية عامًا بعد عام.

ولذلك فإن إعادة بناء وزارة الثقافة يجب أن تبدأ قبل اختيار الوزير، بإعادة تعريف وظيفة الوزارة نفسها، حيث يجب أن تتحول إلى وزارة لصناعة القوة الناعمة، وأن ترتبط بالتعليم والإعلام والشباب والتعليم ومؤسسات الخطاب الديني، وأن يصبح لها مشروع قومي لاكتشاف الموهوبين في كل قرية، وبرنامج وطني للقراءة، ومنظومة للحفاظ على الهوية الوطنية، وخطة لإحياء المسرح، واستراتيجية لتصدير الثقافة المصرية إلى إفريقيا والعالم العربي، ومنظومة حديثة لحماية الملكية الفكرية، ودعم الصناعات الثقافية والإبداعية باعتبارها موردًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن كثير من القطاعات الإنتاجية.

كما أن الوزارة تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، تبدأ بتقييم المؤسسات التابعة لها وفق معايير الأداء، وإحياء دور قصور الثقافة، وتطوير المكتبات العامة، ورقمنة التراث المصري، وإنشاء مرصد وطني لقياس الوعي الثقافي، وإشراك الجامعات والمثقفين الحقيقيين في صناعة السياسات الثقافية، بعيدًا عن النخبوية والشللية والمجاملات.

وأتصور أنه في دولة بحجم مصر تواجه تحديات هائلة في الهوية الوطنية وغزو ثقافي مستمر، أن يكون لوزير الثقافة عدة نواب أو مساعدين لمعاونته، في مجال مثل السياسات والتخطيط، ويتبع له قطاع التخطيط الاستراتيجي، وقطاع التشريعات والسياسات الثقافية، وقطاع للإحصاء والاقتصاد الثقافي، ثم وحدة لقياس الأداء ومؤشرات الثقافة.

ولا بأس من اقتراح وجود نائب للوزير للإبداع والفنون ليشرف على الهيئة العامة لقصور الثقافة، والبيت الفني للمسرح، والبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، ودار الأوبرا المصرية، وقطاع الفنون التشكيلية.

والأمر يحتاج لنائب للوزير لشئون الكتاب والمعرفة، ليربط الهيئة المصرية العامة للكتاب، ودار الكتب والوثائق القومية، والمجلس الأعلى للثقافة بمشروع وطني يعزز الاهتمام بالنشر وجوائز الإبداع والمؤلفين وحماية حقوق الكُتاب، وإحداث نهضة ثقافية مقروءة تحمي اللغة وترتفع بثقافة الأجيال ووعيها واطلاعها على تاريخ بلادها، بالإضافة إلى الاهتمام بمشروع النشر الرقمي، وإنشاء المكتبة الرقمية الوطنية.

وأضيف أيضا ضرورة وجود مسئول تابع لوزير الثقافة مباشرة، للهوية والتراث الثقافي، تكون مهمته توثيق التراث، وعلى الأخص التراث غير المادي، وتنمية الحرف التراثية، والفنون الشعبية، والاهتمام بالثقافة الحدودية في مناطق هامة مثل سيناء والنوبة والواحات.

 لأول مرة أرى أن وزارة الثقافة تحتاج إلى قطاع اقتصادي قوي، يمكن أن يشرف عليه أحد نواب الوزير أيضا، ويكون من أهدافه تنشيط اقتصاد الثقافة، والاستثمار الثقافي بعقد الشراكات مع القطاع الخاص، ورعاية الفنون وإدارة الأصول الثقافية، ثم تسويق المنتجات الثقافية داخل مصر وخارجها في النطاقات العربية والأفريقية والدولية. 

ولابد أيضا من استحداث مهام لمساعد الوزير للتنمية والعدالة الثقافية، يهدف تحقيق وصول الخدمات والأنشطة الثقافية إلى جميع المواطنين دون تمييز، باعتبار الثقافة حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان وأحد ركائز بناء الوعي وتعزيز الهوية الوطنية، ويعمل على تقليص الفجوة الثقافية بين المحافظات والمناطق الحضرية والريفية والحدودية، وتوسيع نطاق المشاركة المجتمعية في العمل الثقافي، مع اهتمام خاص بالأطفال والشباب والمرأة وذوي الإعاقة وكبار السن.

ويجب أن تضم وزارة الثقافة عدد من الهيئات بهيكلة جديدة متطورة، كهيئة الآثار، والهيئة الوطنية للصناعات الثقافية، والهيئة الوطنية للترجمة والمعرفة، وهيئة السينما والموسيقى، وأتصور أن التطور الثقافي العالمي يحتم أن تكون لدينا هيئة للفنون الرقمية والذكاء الاصطناعي، وصندوق للاستثمار الثقافي المصري، بالإضافة إلى ضرورة استحداث المركز المصري للدبلوماسية الثقافية.

ولا ينبغي أن نغفل ضرورة وجود مجالس استشارية دائمة مثل مجلس المفكرين، ومجلس الفنانين، ومجلس الشباب الثقافي، ومجلس للصناعات الإبداعية، ثم المجلس الاقتصادي للثقافة، وجميع هذه المجالس يجب أن تضم النخب المصرية المشهود لها بالفكر الرشيد والخبرة وعمق الرؤية، والتطوير والاطلاع على مجريات صناعة الثقافة في العالم، ليكونوا بمثابة مطبخ التخطيط لسياسات وزارة الثقافة في هذه المرحلة.

 كما يتم وضع وتنفيذ البرامج التي تضمن عدالة توزيع الموارد الثقافية، ودعم المبادرات المحلية، وتعزيز الشراكة مع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، بما يسهم في اكتشاف المواهب، ونشر قيم المواطنة والانتماء، وترسيخ الثقافة كأداة للتنمية المستدامة والارتقاء بجودة الحياة في جميع أنحاء الجمهورية. 

وبهذا التصور المقترح، يمكن أن تتحول الوزارة من وزارة تدير أنشطة وهيئات إلى وزارة تضع السياسات، وتقود الصناعات الثقافية، وتبني الهوية الوطنية، وتحقق عائدًا اقتصاديًا من الثقافة، مع تطوير أدوار الهيئات التنفيذية بما يتوافق مع رؤية الدولة.

إن الدولة التي تريد أن تبني جمهورية جديدة، لا يكفيها أن تبني الكباري والطرق والمدن الجديدة، بل عليها أن تبني الإنسان الذي سيحافظ على كل ذلك بعد خمسين عامًا، فالمنشآت قد تبقى، لكن الذي يمنحها الحياة هو الإنسان، والإنسان لا تبنيه الميزانيات وحدها، وإنما تبنيه الثقافة.

ولهذا فإن وزير الثقافة في مصر ليس وزيرًا عاديًا، بل هو أحد حراس الهوية، وقائد يقود مشروعًا ثقافيًا بحجم مصر، وأحد صناع الوعي والقوى الناعمة للدولة، وأحد المسؤولين عن مستقبل الأمة، ومن هنا فإن اختياره لا ينبغي أن يكون مجرد بند في تشكيل حكومي، بل قرارًا استراتيجيًا يعكس رؤية الدولة لنفسها، ولمكانتها، ولمعركتها الحضارية.

إن الدولة يجب أن تحدد، ليس فقط من يجلس على مقعد وزير الثقافة القادم، وإنما أي مصر نريد أن نتركها للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة