هناك لحظات فى سجلات التحول الوطنى لا تُقاس ببياناتها الرسمية فحسب، بل بزلزالها الذى يهز اليقينيات الراسخة، وما انطلقت فعالياته الاثنين 19 أكتوبر، فى العاصمة الجديدة «منتدى مصر 2026»، ليس مجرد حدثٍ مجتمعى عابر، بل هو اختبار حقيقى لـ«عقد اجتماعى جديد» بين الدولة والمواطن، خاصة جيل الشباب الذى يحمل على كتفيه ثقل المستقبل.
القراءة الإستراتيجية لهذا المنتدى تضعه فى سياق أعمق من مجرد «حوار مجتمعى»، فبعد سنوات من المشروعات القومية الضخمة، ومن «حياة كريمة» إلى المدن الجديدة، ومن تطوير البنية التحتية إلى الإصلاح الاقتصادى، تأتى اللحظة التى يجب فيها السؤال: «ما أثر كل هذا على حياة المواطن العادى؟».
هذا التحول من «مرحلة البناء» إلى «مرحلة التقييم»، هو بحد ذاته إشارة نضج فى إدارة الدولة، فالدول العظيمة لا تُقاس بما تبنيه فحسب، بل بما تستطيع أن تطوره من حياة شعبها.
تتمحور جلسات المنتدى حول أربعة ملفات رئيسية، كل منها يحمل فى طياته أسئلة مصيرية:
أولاً: بناء الإنسان:
هذا هو الجوهر، فالتعليم والتدريب ووظائف المستقبل ليست مجرد عناوين، بل هى «العقد الاجتماعى» بين الدولة وشبابها، السؤال الإستراتيجى: هل ستخرج توصيات المنتدى بـ«ثورة تعليمية» حقيقية تربط بين الجامعة وسوق العمل؟ أم ستبقى حبراً على ورق؟ الشباب المصرى لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى «مهارات» تجعله منافساً فى سوق العمل العالمى.
ثانياً: التنمية المتكاملة وجودة الحياة: هنا يكمن «مقياس النجاح» الحقيقى، فالمشروعات القومية، من إسكان إلى طرق إلى مدن جديدة، يجب أن تُقاس بـ «أثرها المعيشى» على المواطن.
ثالثاً: الحماية والأمان المجتمعى: فى عالم مضطرب، أصبح «الأمن الغذائى والمائى» جزءاً من الأمن القومى، والمناقشات حول دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والطبقة المتوسطة، هى اعتراف بأن «الاستقرار الاجتماعى» لا يُبنى بالإجراءات الأمنية فحسب، بل بـ «العدالة الاقتصادية».
رابعاً: الاقتصاد والطاقة والدين حتى 2030: هذا هو «محرك البقاء»، فمصر تواجه تحديات ديون، وتقلبات أسواق طاقة، وضغوطاً على العملة الأجنبية، السؤال: هل سيطرح المنتدى «عقداً اقتصادياً جديداً» يعزز دور القطاع الخاص، ويقلل العبء على الدولة، ويوفر فرص عمل مستدامة؟
الشباب.. هنا تكمن النقطة الأهم، فوجود الشباب فى المنتدى ليس «ديكوراً»، بل هو «جوهر»، لكن الحضور وحده لا يكفي، فالتاريخ يعلمنا أن الأجيال الشابة عندما تُستبعد من صنع القرار، تتحول من «شريك» إلى «متفرج»، ومن «متفرج» إلى «ناقد»، وقد تتحول إلى «خصم»، لذا، فإن نجاح المنتدى لا يُقاس بعدد الجلسات، بل بـ«عدد التوصيات التى يتبناها صناع القرار» من أفكار الشباب.
والتحدى الأكبر – فى ختام المنتدى بعد غد السبت – هو وضع «آلية متابعة» ملزمة، تجعل من توصيات المنتدى «خطة عمل» لا «وثيقة تزيين»، فالشباب المصرى اليوم لا يثق فى «الوعود»، بل يثق فى «الإنجاز»، فإذا رأى أن صوته يُسمع، وأن فكرته تُنفذ، سيتحول من «متفرج» إلى «شريك حقيقى» فى بناء الوطن.




