سياسة الجزيرة

في باكستان من على الطاولة لا يملكون الحسم

إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وإذا أضيفت إلى المعادلة العمليات البرية والبحرية، فإنني أخشى من توسع نطاق الحرب. كما أن دخول دول أخرى على خط الحرب يعني تصاعدا أكبر في المواجهات الساخنة في المنطقة.

في باكستان من على الطاولة لا يملكون الحسم
0 مشاهدة

اقرأ من المصدر

الجزيرة

زيارة المصدر

يبدو أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل دخلت مرحلة من التردد وعدم اليقين. فلا يزال من غير الممكن التوصل إلى أي قرار في مفاوضات وقف إطلاق النار، أو مفاوضات السلام التي تقودها باكستان بدعم قوي من تركيا ودول المنطقة.

ويوضح دبلوماسي تركي يتابع هذه المباحثات أحد أسباب عدم القدرة على اتخاذ القرار، أو حالة عدم اليقين القائمة، على النحو التالي:

"في محادثات باكستان، تتحدث الأطراف على الطاولة، لكن كلا الطرفين يشعران أنهما مضطران للتشاور مع جهات أخرى بشأن هذه القرارات.

فإيران تناقش القرارات داخل مراكز القوى الداخلية، أما الولايات المتحدة فتشعر بأنها مضطرة للتشاور مع إسرائيل. وبذلك تتغير القرارات والموضوعات المطروحة على الطاولة، وتتحول إلى صيغ مختلفة، ولذلك لا يتم التوصل إلى أي قرار نهائي".

صراع القوى في إيران يسير ضد مصلحتها

لقد لوحظ أن إيران قد حققت تفوقا نفسيا وإعلاميا في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان من المتوقع أصلا أن تكون في هذا الوضع باعتبارها الدولة التي تعرضت للاعتداء.

بيد أن إيران، منذ الـ 15 يوما الماضية، بدأت تفقد هذا التفوق في اعتقادي، ويعود ذلك إلى صراعات القوى المستمرة داخلها.

لقد أصبح هذا الصراع واضحا إلى درجة أن وسائل إعلامية تابعة للحرس الثوري نشرت انتقادات موجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي يشارك في المفاوضات. ولم تقتصر التصريحات الداخلية على ذلك فحسب، بل وصل الأمر إلى التشكيك حتى في الوساطة.

كل هذه الأمور لم تخفَ عن أنظار الرأي العام العالمي، ويمكن القول الآن إن إيران فقدت تفوقها النفسي؛ بسبب صراع القوى الداخلي. قد تكون لدى طهران نية لإطالة أمد المفاوضات؛ لزيادة التكلفة المالية على الولايات المتحدة والخليج، لكن الانسداد في مضيق هرمز يضعها هي أيضا في ضائقة كبيرة في الواقع.

إن إغلاق الخليج العربي بالحصار، الذي تمر عبره نحو 90% من صادراتها، يجر إيران نحو أزمة اقتصادية خطيرة جدا.

ومن ناحية أخرى، وبينما أسفرت الهجمات الانتقامية التي شنتها ضد جيرانها عن أثر عكسي، فقد تتسبب الآن في اختناق العديد من دول العالم في مجال الطاقة وانجرافها نحو أزمات حادة، وقد تُحمّل إيران مسؤولية ذلك.

ومع اقتراب الأمور من الانقلاب ضدها، يتعين على إيران إرسال مفاوضين إلى طاولة المفاوضات قادرين على اتخاذ قرارات حاسمة للخروج من هذه الحرب التي تنجرف نحو اللانهاية.

وعندما تنتهي الحرب، فإن أول ما يجب عليها فعله هو إبرام اتفاقيات دائمة قائمة على الثقة مع دول المنطقة. نعم، ربما لا تستطيع إبرام اتفاقيات سلام دائمة مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكنها مضطرة لتحقيق ذلك مع جيرانها، بسبب العيش في الجغرافيا نفسها. ويجب ألا ننسى أنه كلما طال أمد الأزمة، أصبح إبرام هذا الاتفاق أكثر صعوبة.

صراع الولايات المتحدة وإسرائيل يمنع اتخاذ قرار

مثلما يعوق صراع القوى الداخلي في إيران اتخاذ قرارات وقف الحرب، فإن صراع القوى داخل الولايات المتحدة؛ يتسبب أيضا في مشاكل مماثلة.

إن الجدل حول ما إذا كان لبنان مشمولا ضمن بنود وقف إطلاق النار الأولى المتفق عليها، يُظهر في الواقع مدى تدخل إسرائيل في هذه العملية من الداخل، حتى إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اضطر في النهاية للقول: "لقد منعتُ الهجوم على لبنان".

وإسرائيل لا تؤثر على هذه العملية كدولة فحسب، بل تحاول أيضا التدخل في مسارات وقف إطلاق النار مع إيران عبر الأطراف الفاعلة في مجلس الشيوخ والكونغرس والبيروقراطية الحكومية.

وتريد إسرائيل أن تطول الحرب وأن تدخل إيران في أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأزمات طاقة، وأن تتردى أوضاعها لدرجة لا تستطيع معها النهوض مجددا.

ولا تكترث إسرائيل بحجم المعاناة التي يشهدها العالم، ولا بالصعوبات التي تواجهها دول الخليج، ولا بالتكلفة التي تدفعها الولايات المتحدة في هذه العملية. ومنذ أن تبيّن لها أن لبنان يمثل النقطة المحورية في مسار وقف إطلاق النار، واصلت استهدافه.

وحتى أثناء كتابة هذه السطور، كانت القنوات التلفزيونية تبث أنباء عاجلة عن تجدد القصف على لبنان.

تأثير الانتخابات في الولايات المتحدة وإسرائيل على الحرب

هذا العام تُجرى في إسرائيل انتخابات عامة، وفي الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

محور اهتمام الانتخابات في كلا البلدين هو الحرب مع إيران. والمفارقة أنه بينما تمنح الحرب على إيران رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصواتا انتخابية، تتسبب في خسائر انتخابية لترمب.

إن إعلان ترمب ونتنياهو خروجهما منتصرين من الحرب مع إيران سيكون له تأثير كبير في الانتخابات.

لكن إعلان هذا الانتصار ما زال عالقا عند مضيق هرمز. فقد أصبح الممر ذا أهمية بالغة لدرجة أن ملف البرنامج النووي وحده لم يعد كافيا لإعلان النصر في الوقت الراهن.

في المقابل، قررت المعارضة في إسرائيل التحالف ضد نتنياهو، وهذا سيؤثر بشكل كبير في الانتخابات. لكن استطلاعات الرأي العام تظهر زيادة أصوات نتنياهو بشكل كبير بعد الهجوم على إيران.

ولهذا السبب تحديدا لا يرغب نتنياهو في انتهاء الحرب، بل يريدها أن تستمر بوتيرة منخفضة وأن يلتف الشعب حول حزبه بدافع مخاوفه الأمنية. كما يحاول أيضا خلق تأثير عاطفي عبر إعلانه عن إصابته بالسرطان.

أما ترمب فهو في وضع متأزم للغاية في الداخل والخارج. ففي الخارج تطالب العديد من الدول- التي تعاني من أزمات طاقة واقتصادية خطيرة بسبب إغلاق المضيق- ترمب بالتوصل إلى اتفاق. وكلما طال أمد الحرب، فإن ذلك يدفع حلفاءه إلى البحث عن مسارات جديدة، فيما تتجه الولايات المتحدة تدريجيا نحو العزلة.

وبالفعل فإن صورته التي فقدت الكثير من المكانة؛ بسبب دعمه لإسرائيل في الإبادة الجماعية في غزة، تتعرض الآن لمزيد من التآكل، لأنه لم يتمكن من إنهاء الحرب مع إيران.

أما داخليا، فتُظهر جميع استطلاعات الرأي تراجعا متسارعا في الدعم لإسرائيل، ولذلك باتت السهام كلها مصوبة نحو ترمب. وبينما يُنظر بشكل شبه مؤكد إلى خسارته الأغلبية في مجلس الشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، فإنني أرى أن محاولة الاغتيال الأخيرة لن تغيّر هذا الوضع.

لا توجد حرب بلا نهاية، لكنها قد تتحول إلى حرب واسعة النطاق.
لا أتفق كثيرا مع التحليلات التي تقول إن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستستمر لسنوات مثل الحرب بين أوكرانيا وروسيا، لأن الصراع الروسي الأوكراني لم يؤثر بهذا الشكل الكبير على أزمة الطاقة.

لكن في حالة إيران، أصبح مضيق هرمز، الذي تتمحور حوله الأزمة، في قلب مشكلة الطاقة العالمية.

ومع دخول عشرات الدول في حالة اختناق حاد في مجال الطاقة بسبب هذه الحرب، فإن تحول ذلك إلى أزمة اقتصادية بات مسألة وقت فقط، إذ يؤكد الخبراء بإصرار أن استمرار الحرب التي تؤثر بشكل مباشر على هذا العدد الكبير من الدول سيقود الاقتصاد العالمي إلى الركود.
ولذلك لا أتوقع شخصيا أن تتحول هذه الحرب إلى حرب بلا نهاية مثل أفغانستان أو العراق.

لكن إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وإذا أضيفت إلى المعادلة العمليات البرية والبحرية، فإنني أخشى من توسع نطاق الحرب. كما أن دخول دول أخرى على خط الحرب يعني تصاعدا أكبر في المواجهات الساخنة في المنطقة، وهو ما سيكون كارثيا على الجميع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

العلامات

مقالات ذات صلة