دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- تجوب دببة الروح امتداد الساحل الذي أنهكته الأمطار في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا.
يُعتقد أنّ عدد هذه الكائنات لا يتجاوز المئة، وتُعرف أيضاً باسم "دب كيرمود"، وهو سلالة فرعية من الدببة السوداء تتميّز بفراء أبيض شاحب.
تتجول هذه الدببة في "غابة الدب الكبير المطيرة"، وهي امتداد بطول نحو 400 كيلومتر على الساحل الغربي لكندا، حيث تتغذّى على سمك السلمون الآتي من شمال المحيط الهادئ البارد، وتعيش بعيداً عن أعين البشر.
ترتبط دببة الروح على نحو وثيق (ثقافياً وعملياً) بجيرانها من شعوب "الأمم الأولى"، ومنها "Kitasoo Xai’xais"، و"Gitga’at"، و"Heiltsuk".
كما تشير أدلة إلى تواجد البشر في غابة الدب الكبير قبل 11 ألف عام.
يَظهر الدب الأبيض في أعمدة الطواطم، والحكايات الشفوية، والرقصات لدى هذه الشعوب، فهي تعتمد على الأرض ذاتها ومصادر الغذاء عينها للبقاء.
وقال المصور البريطاني جاك بلانت لـCNN "إنّه كائن غامض يعيش بينهم"، ,ورغم ذلك فإنّ غالبية أفراد شعب "Kitasoo Xai’xais" لم يروه قط.
خلال العقد الماضي، بين فصلَي الربيع والخريف، عاش بلانت مع شعب" Kitasoo Xai’xais " في كليمتو على جزيرة سويندل.
وبخلاف كثيرين من سكان هذه الجزيرة، شاهد المصوّر عدداً كبيراً من دببة الروح، بعدما توغّل عميقاً في الغابة بصفته مرشداً ومصوراً.
وقد جُمعت صور مغامراته في كتاب جديد بعنوان "روح الدب الكبير" (Spirit of the Great Bear,)، يضم بين دفّتيه 90 صورة من الغابة، تُظهر دببة الروح وهي تطلّ بين الغطاء النباتي الكثيف، وتخوض المياه، وتتغذى على أسماك السلمون.
تبدو هذه الدببة منعزلة، ومهيبة، ولافتة، ومنسجمة تماماً مع بيئتها.
يعترف بلانت أنّ إصدار الكتاب "لم يكن الهدف قط". فهذا البريطاني المغامر زار الغابة لأول مرة عام 2014، عندما كان في أوائل العشرينات من عمره، وشجعه على ذلك رؤيته صورة دب روحي تتصدر غلاف مجلة "ناشيونال جيوغرافيك".
وقال: "أصبحت مهووساً بالأمر".
كانت الصورة الأصلية مُلتّقَطة بواسطة المصور الكندي الشهير بول نيكلين، الذي أصبح مرشده لاحقًا، وكتب مقدمة كتابه.
في تلك الرحلة الأولى، شاهد بلانت أول دب روحي في يوم عيد ميلاده، في "لحظة جنونية"، على حد تعبيره.
شعر المصور برغبة كبيرة للبقاء في المنطقة لفترة طويلة، فاتجه إلى العمل كمرشد، وتتلمذ على يد دوغلاس نيسلوس، المدير الحالي لرعاية شعب "Kitasoo Xai’xais"، إضافةً للزعيم الوراثي الراحل هاي-ماس إرنست في. (تشارلي) ميسون.
أفاد بلانت أنّ ميسون "كان يرتدي نظارات سميكة جداً، ومع ذلك كان يرصد دببة الروح قبل أي شخص آخر".
وأكّد: "هؤلاء الناس مختلفون. معرفتهم لا تستند إلى العلم والبحوث، بل إلى حكمة متوارثة عبر الأجيال، وهي في نظري لا تُضاهى".
وخلال إقامته، شهد بلانت سلسلة لافتة من النجاحات في مجال الحفاظ على البيئة، مدفوعة بشعب "Kitasoo Xai’xais". ولفت إلى أنه "رغم صِغر هذا المجتمع، إلا أنّ تأثيره هائل".
في العام 2000، وضع أفرادها خطة لإدارة الموارد الطبيعية، وفي 2012 شاركوا ضمن مجموعة من الأمم الأولى في فرض حظر على الصيد الترفيهي للدببة في الغابة.
كانت تلك الخطوة ناجحة جدًا، لدرجة أنّهم تمكنوا من إقناع الحكومة في كولومبيا البريطانية بفرض حظر شامل على صيد الدببة الرمادية عام 2017، ومن ثمّ حظر صيد الدببة السوداء في المقاطعة عام 2022.
وفي العام نفسه، أنشأت المجموعة منطقة بحرية محمية في خليج كيتاسو للحفاظ على مخزون سمك الرنجة.
اعتبر بلانت حظر الصيد "انتصارًا للفكرة القائلة إنّ قيمة الدببة وهي حيّة تفوق قيمتها وهي ميتة، فالسياحة صناعة أكثر أهمية من الصيد، لذا دعونا نبقيها حيّة".
تنشأ دببة الروح نتيجة جين متنحٍ (جين غير سائد) لدى الأبوين من الدببة السوداء، وهي ليست مصابة بالمهق خلافاً للاعتقاد الشائع.
وقال بلانت: "إنّه حيوان تصعب جدًا دراسته"، نظراً لندرته واتساع نطاق موطنه. ولا توجد بيانات دقيقة حول أعداده، إذ تتراوح التقديرات بين 100 و500.
لكن تقدِّر مؤسسة "Spirit Bear Research Foundation" أنّ عددها لا يتجاوز المئة في غابة الدب الكبير، بينما يرى بلانت أنّ العدد "أقل بكثير"، ربما لا يزيد على خمسين دبًا روحيًا.
ورُغم تحسن إجراءات الحماية، أكّد المصور أنّ رؤية هذه الدببة أصبحت أكثر صعوبة، إذ "من الصعب جداً الجزم إن كانت تنتقل إلى مناطق يصعب الوصول إليها، أم أنّ أعدادها تشهد تراجعًا".
وإذا كانت أعدادها تتناقص بالفعل، كما يعتقد بلان، فقد تعود الأسباب إلى عوامل متعددة، منها أنّ الغذاء يظل التحدي الأكبر، وشرح: "هناك أنهار رأيتها تعجّ بالسلمون، لكنك بالكاد تجد فيها شيئاً اليوم".
وفي واحدة من أكثر الصور اللافتة في كتابه، يظهر نزاع بين دب روحي ودب أسود على سمكة سلمون نافقة خلال فترة جفاف في العام 2018، منعت هجرة الأسماك إلى أعلى الأنهار، وهو أمر نادر في هذه المنطقة الغزيرة الأمطار.
كما يضع تغير المناخ، إلى جانب الإفراط في صيد الأسماك، النظام البيئي تحت ضغط شديد.
ورُغم جميع الانتصارات التي حققتها الأمم الأولى، أكّد بلانت "أننا ما زلنا نخسر معركة الحفاظ على البيئة".
ومن جانبه، لا يرى نيسلوس أنّ أعداد هذه الدببة في تراجع، مؤكداً أن "أعدادها كانت دائماً منخفضة بطبيعتها".
تعني حماية الساحل والغابة وهذه الدببة أيضاً حماية مستقبل شعب "Kitasoo Xai’Xais ".
وقد استثمر أفرادها بكثافة في البنى التحتية المتعلقة بالسياحة البيئية، بما في ذلك تدريب المرشدين، وإنشاء "نُزل الدب الروحي" لاستقبال الزوار.
لا يعتقد بلانت أنّ كتابه يمثل نهاية هذا الفصل من حياته. فرغم أنّه لم يعد يعمل كمرشد كما في السابق، إلا أنّه سيعود إلى البرية بحثاً عن دببة الروح، وربما بعض الوجوه المألوفة.
وقال: "هناك دب روحي معيّن شاهدتُه يكبر منذ كان في شهره الثامن حتى أصبح ذكراً بالغاً مهيمنًا في الثامنة من عمره".
وأضاف: "تعود إلى الغابة وتنتظر ظهوره، وتتمنى أن يكون بخير وأنّه قد نجا من الشتاء. ومن ثمّ يظهر أمامك، وتشعر وكأنّك على وشك البكاء.. لقد أصبح أكبر قليلاً، ويبدو بصحة جيدة، وينظر إليك مباشرة.. من الصعب ألا تشعر بوجود صلة ما بينكما".



