فى السنوات الماضية، كانت الدولة بمؤسساتها، والمدرسة، والأسرة، والإعلام التقليدى هى القوى الناعمة التى تشكل وعى المواطن وتؤثر فى قراراته، لكن اليوم ظهرت «دولة خفية» لها قوانين غير معلنة، وليس لها سقف فى الحدود، وجيشها من المستخدمين، وخوارزمياتها التى تحدد ما نراه وما نهمله، معروفة لنا بـ«منصات التواصل الاجتماعى»، التى تشكل خطرا حقيقياً يهدد المجتمعات، لأنها لم تعد مثلما كان مقدرا لها، مجرد وسيلة للتواصل أو تبادل الصور والأخبار، بل تعدت حدود ذلك، وأصبحت ساحة كبيرة لصناعة الرأى العام وتوجيهه، وترسم الاتجاهات فى قضايا كثيرة، وكما نرى الآن فهى تؤثر فى السلوك الاستهلاكى، وامتدت أذرعتها حالياً فى كل النقاشات السياسية والاجتماعية والثقافية .
فى كثير من دول العالم، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى، جزءاً لا يتجزأ من حياة المواطنين، ويعتبرها أغلب المستخدمين المصدر الأول للأخبار، أو منصة للنقاش، أو للعمل والتعليم أو وسيلة للترفيه والتسوق، وهذا يجعلها الأكثر انتشاراً حول العالم، فهى مصممة لجذب الانتباه وإبقاء المستخدم متفاعلًا طوال الوقت، وهو ما قد يؤدى إلى انتشار المحتوى المثير للجدل أو العاطفى بصورة أسرع من المحتوى الهادئ أو الموثق، ومن هنا تقع المسئولية على عاتق كل مستخدم، ويبقى التحدى الحقيقى فى التفكير بشكل إيجابى، وعدم الانسياق خلف كل ما يظهر على حساباتنا الشخصية، والوقوف للتحقق من المعلومات التى تتداول، لأن المشكلة ليست فى وجود هذه المنصات، ولكن فى كيفية استخدامها، لان كل ضغطة إعجاب، وكل مشاركة، وكل تعليق، تتحول إلى بيانات تستخدم لتقديم محتوى يتوافق مع اهتمامات المستخدم .
كل ما تريده هذه «الدولة الخفية» هو تحويل الشخص من صانع للقرار إلى مجرد متلقٍ يتفاعل مع ما يتاح عليه دون تدقيق، لتمنح الحملات المنظمة الفرصة للتأثير على الرأى العام عن طريق بث الشائعات أو المعلومات غير الدقيقة، لكن هذا التأثير ليس إجبارى على كل مستخدم لديه الوعى الكافى ومدرك للتحديات التى تفرضها علينا التكنولوجيا، لأنه هو المتحكم فى الاختيار والتمييز .
وفى النهاية، «التواصل الاجتماعى» مثل غيرها فى التكنولوجيا، «سلاح ذو حدين»، يمكن استخدامها للبناء والمعرفة، أو وسيلة للتضليل والاستقطاب، ويظل «الوعى» خط الدفاع الأول، للحفاظ على استقلال الفكر وصناعة الرأى الخاص، من خلال تعزيز الثقافة الإعلامية والرقمية، وتشجيع الفكر النقدى، وترسيخ فكرة التحقق من المصادر قبل النشر أو المشاركة، وإدراك حقيقة، أن ما نراه على شاشاتنا ليست صائبأ أو حقيقيا حتى يتم تأكيده من جهته الرسمية .



