سياسة جريدة الجمهورية

حين تقرأ مصر المشهد مبكرًا

تنتهج القاهرة مسارًا سياسيًا رصينًا، لا يعرف الانحياز أو التردد أو الاندفاع، فى التعامل مع الموجات المتلاحقة التى عصفت بالشرق الأوسط طوال العامين الماضيين؛ وهى أحداث جسام كشفت أوراقًا وأحرقت أخري، وأعادت رسم كثير من خرائط التوازنات والتحالفات فى المنطقة. فمنذ عملية السابع من أكتوبر، وما تبعها من حرب...

حين تقرأ مصر المشهد مبكرًا
8 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

تنتهج القاهرة مسارًا سياسيًا رصينًا، لا يعرف الانحياز أو التردد أو الاندفاع، فى التعامل مع الموجات المتلاحقة التى عصفت بالشرق الأوسط طوال العامين الماضيين؛ وهى أحداث جسام كشفت أوراقًا وأحرقت أخري، وأعادت رسم كثير من خرائط التوازنات والتحالفات فى المنطقة.

فمنذ عملية السابع من أكتوبر، وما تبعها من حرب إبادة جماعية استهدفت الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، ومحاولات دفع الفلسطينيين قسرًا نحو سيناء فى محاولة خبيثة من الكيان الصهيونى لإلقاء الأزمة فى الملعب المصرى وتفريغ القطاع من سكانه، تنبهت القيادة المصرية مبكرًا لحقيقة المخطط، واعتبرت الحدود المصرية الفلسطينية خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، رافضةً بصورة قاطعة مشروع التهجير، فى موقف عززته الملحمة الأسطورية التى سطرها الشعب الفلسطينى بتمسكه بأرضه، ورفضه الانصياع للإغراءات أو الرضوخ للتهديدات.

ثم جاءت التطورات اللاحقة، ومحاولات توسيع دوائر الصراع عبر الزج بأطراف عربية وخليجية فى مواجهات إقليمية تخدم بالأساس المشروع الإسرائيلي، وتسعى لإعادة إنتاج صراعات مذهبية تمزق المنطقة وتعيد تشكيلها بما يحقق مصالح الاحتلال، ويُضعف كل القوى التى يمكن أن تمثل تهديدًا له.

لقد قرأت مصر المشهد منذ لحظاته الأولي، وأدركت أن الهدف يتجاوز المواجهات المباشرة إلى محاولة إضعاف القوى العسكرية الفاعلة فى الإقليم، وفرض واقع جديد يمنح الكيان الإسرائيلى تفوقًا إستراتيجيًا مطلقًا، يفتح الطريق أمام مخططاته التوسعية وأوهامه التاريخية.

ومن هذا المنطلق، تحركت القاهرة بثبات لحماية أمنها القومى وصيانة سيادتها، فدعمت حضورها الإستراتيجى فى دوائرها الحيوية، وأكدت أن أمن البحر الأحمر امتداد مباشر للأمن المصري، كما تعاملت مع أى محاولات للتمدد الإقليمى بحسابات دقيقة تحفظ توازن المنطقة.

وحين تصاعدت المواجهات واتسعت احتمالات الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، لم تنجر مصر إلى الاستقطاب، ولم تستجب لدعوات الاصطفاف، بل تمسكت بموقفها الداعى إلى وقف التصعيد، وإعلاء صوت التفاوض، وتجنيب شعوب المنطقة كلفة صراع لا يخدم إلا أجندات الهيمنة والتفتيت.

وفى الوقت ذاته، أكدت القاهرة عمليًا أن أمن الخليج جزء أصيل من أمنها القومي، وأن حماية استقرار المنطقة العربية مسئولية مشتركة، راسمة بذلك معادلة واضحة: لا تفريط فى الأمن القومى العربي، ولا السماح بأى اختراق يهدد استقرار الإقليم أو يمنح الاحتلال فرصًا جديدة للتمدد وفرض الأمر الواقع.

مقالات ذات صلة