ليست القوانين مجرد مواد جامدة تُصاغ فى نصوص، بل هى تعبير صريح عن فلسفة دولة، ورؤية سلطة، وتصور شامل لدور المؤسسات داخل المجتمع، ومن هنا، فإن قراءة قانون الأزهر رقم «103» لسنة 1961م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها، لا تبدأ من مواده، بل من مذكرته التوضيحية السابقة على إصداره، تلك الوثيقة التى تكشف- بوضوح لا لبس فيه- عن نية المشرّع، وعن الهدف الحقيقى من إعادة تنظيم الأزهر فى لحظة تاريخية بعينها.
لقد جاءت المذكرة التوضيحية للقانون فى سياق سياسى وفكرى كانت الدولة تسعى فيه إلى إعادة تشكيل مؤسساتها الكبرى، ليس فقط لتنظيمها، بل لإعادة توجيهها بما يتسق مع مشروعها العام، ولم يكن الأزهر- فى هذا السياق- خارج هذا التصور، بل كان فى قلبه، فالقانون لم يكتفِ بإعادة هيكلة التعليم الأزهرى، ولا بتوسيع نطاقه ليشمل العلوم الحديثة، بل أعاد رسم العلاقة بين الأزهر والدولة على نحو يجعل هذه العلاقة أقرب إلى الضبط منها إلى الاستقلال الكامل.
وجاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون بعض القواعد البنائية التى يجب التوقف أمامها، ومنها ما نصه:
«على أن التزام الأزهر الوقوف قرونًا طويلة فى وجه كل محاولات العدوان قد ألزمه نوعًا من المحافظة لعلها كانت بعض خصائص الموقف الدفاعى الذى التزمه خلال تلك القرون، فلما نشطت الحياة حواليه وزالت الأسباب التى كانت تضطره إلى المحافظة والتزمت، لم يجد الوسيلة الملائمة التى تعينه على الحركة المتجددة التى تلائم بينه وبين عصره مع احتفاظه بخصائصه وقيامه بواجبه لحياطة الدين والمحافظة على تراث الإسلام، من ذلك أن خريجيه لم يزالوا حتى اليوم- فيما يريدون لأنفسهم أو فيما يصفهم غيرهم- رجال دين، لا يكادون يتصلون بعلوم الدنيا اتصال النفع والانتفاع، والإسلام فى حقيقته الأصلية لا يفرق بين علم الدين وعلم الدنيا، لأنه دين اجتماعى ينظم سلوك الناس فى الحياة ليحيوا حياتهم فى حب الله عاملين مؤثرين فى المجتمع فى ظل طاعة الله، ولأن الإسلام يفرض على كل مسلم أن يأخذ بنصيبه من الدين والدنيا، فكل مسلم يجب أن يكون رجل دين ورجل دنيا فى وقت واحد معًا، والله فى يقين المسلم أقرب إليه من حبل الوريد، يجيب دعوة الداعى إذا دعاه، فليس فى حاجة إلى شفيع أو وسيط يقربه إليه».
وفى موضع آخر ذكرت المذكرة الإيضاحية ما نصه:
«ولكن الأزهر إذ يعِد علماء فى الدين وفى لغة القرآن لم يتهيأ بعد لتأهيل العالم الدينى المتخصص فى عمل من أعمال الخبرة والإنتاج التى تحتاج إليها نهضة المسلمين فى كل البلاد، وحين تنبهت بعض البلاد الإسلامية إلى هذه الحقيقة المؤسفة فحولت بعثاتها كلها أو بعضها إلى الجامعات المدنية فى الجمهورية العربية المتحدة، أو فى غيرها من البلاد عاد إليها مبعوثوها بعد إتمام دراستهم وهم يملكون الخبرة ولا يكادون يعرفون الدين، فى حين يعود المبعوثون منهم إلى الأزهر وقد حصلوا من علوم الدين وعلوم القرآن حظًا كبيرًا ولكنهم لا يحسنون عملًا ولا يطيقون إنتاجًا ولا يقدرون على المشاركة فى لون من ألوان النهضة التى أشرنا إليها آنفًا، وبهؤلاء وأولئك تعقدت الحياة الاجتماعية فى كثير من بلاد العالم الإسلامى وتعثرت النهضة فى تلك البلاد».
وما أشبه اليوم بالبارحة!… فالمشروع الذى كشفت عنه نية المشرّع عند إصدار قانون الأزهر عام 1961م، نكاد نراه يتكرر مجددًا- بنفس الروح- فى دعوات الحاضر، إذ عبّر الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أكثر من مناسبة عن ضرورة تجديد الخطاب الدينى، مؤكدًا أهمية أن يواكب علماء الأزهر والأوقاف تطورات العصر وقضاياه، وألا يقتصر تكوينهم على العلوم الدينية وحدها، بل يمتد ليشمل أدوات المعرفة الحديثة بما يؤهلهم للتفاعل مع واقع متغير.
وهنا يبرز السؤال المشروع: إذا كانت هذه الرؤية قد طُرحت بوضوح قبل نحو ستة عقود، ثم عادت لتُطرح من جديد بعد أكثر من 65 عامًا، فهل تحقّق منها شىء على أرض الواقع؟ وهل استطاع الأزهر أن يحوّل نية المشرّع إلى تطبيق فعلى يُنتج عالمًا يجمع بين عمق الفهم الدينى وكفاءة الإسهام فى حركة المجتمع، أم أننا لا نزال نعيد طرح نفس الإشكال دون أن نغادر؟
وهنا لا يصبح السؤال: ماذا أراد المشرّع حينها؟ بل الأهم: لماذا ما زلنا- بعد أكثر من ستة عقود- نطرح نفس الهدف دون أن يتحول إلى واقع تطبيقي؟ وهل لا يزال القانون «103» لسنة 1961م مناسبًا لزماننا، فى ضوء عدم تحقق نية المشرع الأول مكتملة؟
لقد انطلقت فلسفة القانون من اعتبار الأزهر مؤسسة يجب دمجها فى مشروع الدولة الحديثة، وهو هدف قد يبدو مبررًا فى سياقه التاريخى، لكنه- مع مرور الوقت- أفرز واقعًا مركبًا.. مؤسسة ذات مرجعية دينية عالمية، لكنها محكومة بإطار إدارى وتشريعى صيغ لمرحلة مختلفة، وبأدوات لم تعد قادرة على استيعاب حجم التحولات التى شهدها العالم، ولا التحديات التى يواجهها الخطاب الدينى اليوم.
وعلى مدار العقود، لم يتوقف الحديث عن تطوير الأزهر، ولم تغب المطالبات بإصلاحه، لكن ما جرى فعليًا كان أقرب إلى تعديلات جزئية، لم تمس جوهر القانون، ولم تقترب من فلسفته الأصلية، فقد أُضيفت مواد، وعدلت أخرى، لكن الإطار العام ظل كما هو، وكأننا نُجمّل بناءً قديمًا دون أن نراجع أساساته.
وهنا تتكشف فجوة حقيقية بين النص والواقع.
فالقانون الحالى لا يزال يتعامل مع الأزهر بوصفه كيانًا يمكن تنظيمه إداريًا، بينما تحوّل الأزهر- فعليًا- إلى مؤسسة متعددة الأدوار، تعليمية، ودعوية، وإغاثية، وإفتائية، وإقليمية، بل ودولية، وغير ذلك الكثير، وهذا التمدد لم يصاحبه تطوير موازٍ فى أدوات الإدارة أو آليات الحوكمة، فظلّت البنية كما هى، بينما تضاعفت المسئوليات.
ومن الإشكاليات الجوهرية فى القانون القائم أنه لم يتصور- عند صياغته- هذا التوسع الدولى غير المسبوق لدور الأزهر، إذ أصبحت مشيخته تتحرك فى دوائر إقليمية وعالمية واسعة، عبر زيارات ومبادرات واتفاقات، وأصبح الأزهر مقصدًا لرؤساء الدول والحكومات والوزراء والدبلوماسيين من مختلف أنحاء العالم، فضلًا عن حضوره الفاعل فى القضايا الدولية وإبداء الرأى فى ملفات تتقاطع أحيانًا مع السياسة والحروب والنزاعات الدولية، وإذا كان هذا الامتداد يعكس بحق مكانة الأزهر العالمية ودوره الأصيل كمرجعية دينية عابرة للحدود، فإن ذلك يفرض- فى المقابل- ضرورة أن يتدخل القانون لتنظيم هذا الحضور، عبر وضع إطار واضح يحدد آليات التحرك الخارجى، ويضبط قنوات التنسيق مع مؤسسات الدولة المعنية، بما يضمن الحفاظ على استقلالية الأزهر ودوره، دون أن يحدث تعارض مع توجهات الدولة فى سياستها الخارجية أو يخلق ازدواجية فى المواقف على الساحة الدولية.
كما أن العلاقة بين الأزهر والدولة لا تزال محكومة بمنطقة رمادية، فلا هى تبعية صريحة، ولا استقلال مكتمل، بل تداخل يحتاج إلى إعادة تعريف دقيق، يضمن للأزهر استقلاله الحقيقى تحت سقف الدولة المصرية، وفى الوقت ذاته يحدد بوضوح مسئوليات الدولة تجاهه، دعمًا وتمكينًا لا توجيهًا أو تقييدًا.
من ناحية أخرى، فإن هيكل القيادة داخل الأزهر- كما ينظمه القانون- لم يعد يعكس احتياجات الواقع الحالى، فالمناصب القيادية، وآليات اختيارها، ونطاق صلاحياتها، كلها قضايا تحتاج إلى مراجعة تضمن التوازن بين الحفاظ على تقاليد المؤسسة، وفتح المجال أمام الكفاءات، وتحديث أدوات الإدارة.
ولا يمكن تجاهل التحدى الأكبر الظاهر فى فوضى الخطاب الدينى خارج الإطار المؤسسى، فالقانون، بصيغته الحالية، لم يتعامل مع واقع جديد أصبحت فيه الفتوى متاحة بضغطة زر، وأصبح التأثير الدينى خارج حدود المؤسسات التقليدية. وهو ما يطرح سؤالًا خطيرًا عن الكيفية التى يمكن للأزهر بها أن يستعيد موقعه كمرجعية، إذا لم يمتلك الأدوات القانونية التى تمكنه من تنظيم هذا المجال؟
ومن المعوقات التى يكشفها الواقع كذلك، غياب الربط الواضح والمنظم بين جامعة الأزهر- بوصفها جزءًا من مؤسسة دينية مستقلة ينظمها قانون خاص- وبين منظومة التعليم الجامعى المصرية التى يديرها المجلس الأعلى للجامعات، بما يثير تساؤلات تتعلق بالتخطيط الأكاديمى واحتياجات الدولة الفعلية، فكثيرًا ما تعلن الجامعة عن التوسع فى إنشاء كليات مدنية جديدة غير شرعية، مثل كليات الآثار، والعلاج الطبيعى، والفنون الجميلة للبنات، والطب البيطرى، دون وجود رؤية معلنة توضح مدى ارتباط هذه التوسعات بخطط الدولة واحتياجات سوق العمل فى تلك التخصصات، أو ما إذا كانت هذه الكليات ستضيف قيمة حقيقية للمجتمع، أم ستُنتج أعدادًا جديدة من الخريجين فى مجالات تعانى بالفعل تحديات التوظيف.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطار قانونى أكثر وضوحًا يحدد طبيعة العلاقة بين استقلال جامعة الأزهر وخصوصيتها، وبين التزامها بالتنسيق مع السياسات التعليمية والتنموية العامة للدولة، بما يحقق التوازن بين حقها فى التطور، ومسئولية الدولة فى التخطيط الرشيد للموارد البشرية والتعليمية.
إننا، ببساطة، أمام قانون صيغ لمرحلة، لكنه ما زال يحكم مرحلة أخرى، وهنا تعود الفكرة الأساسية، أن المشكلة لم تكن يومًا فى مادة تحتاج إلى تعديل، بل فى فلسفة تحتاج إلى إعادة كتابة.
فهل نملك الجرأة على أن نعترف بأن الزمن قد تجاوز هذا الإطار؟ وهل نمتلك الإرادة للانتقال من «تعديل النص» إلى «إعادة تأسيس القانون»؟ هذا هو السؤال… وما زال الجواب مؤجلًا.
وللحديث بقية...




