كمواطن مصري، أشعر أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يبذل جهدًا استثنائيًا وغير مسبوق، وكأنه يسابق الزمن نفسه من أجل أن يعوض هذا البلد سنوات طويلة من التراجع والتأجيل والتآكل البطيء في مؤسسات الدولة واقتصادها وبنيتها الأساسية.
الرجل يتحرك بعقلية من يرى أن الوقت لم يعد يحتمل البطء، وأن مصر لا تملك رفاهية الانتظار، لذلك تبدو طموحاته في كثير من الأحيان أكبر من قدرة الجهاز التنفيذي على استيعابها، وتبدو سرعة إرادته السياسية أسرع من حركة الحكومة نفسها، فبينما تُطرح أفكار ومشروعات ورؤى تحمل جرأة واضحة ورغبة حقيقية في التغيير، يبقى التنفيذ أحيانًا أسير البيروقراطية التقليدية، والعقل المتجمد، وتعدد مراكز القرار، وضعف الخيال الإداري والاقتصادي لدى بعض من يتولون التنفيذ.
ولا أشك أن الرئيس يدفع أحيانًا جزءًا من كلفة هذا البطء، حين تُحسب النتائج النهائية على رأس الدولة، بينما تكون الأزمة الحقيقية كامنة في المسافة الواسعة بين حجم الطموح… وكفاءة من يُفترض بهم تحويل هذا الطموح إلى واقع.
لقد كتبتُ من قبل سلسلة مقالات تناولت فيها قضية وزارة قطاع الأعمال العام، واقترحت إلغائها نهائيا، وتحدثت وقتها عن ضرورة ألا يتحول الإلغاء إلى مجرد تغيير شكلي في الهيكل الإداري، بل إلى بداية حقيقية لإعادة بناء فلسفة إدارة أصول الدولة، واستعرضت وقتها بعض التجارب الدولية، وعلى رأسها التجربة الصينية، التي لم تتعامل مع شركات الدولة باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه، وإنما باعتبارها ذراعًا اقتصاديًا واستثماريًا يمكن إعادة هيكلته وتعظيم قدرته التنافسية عالميًا.
كان مقترحي السابق بإلغاء وزارة قطاع الأعمال العام نابعًا من إحساس واضح بأن هذه الوزارة، عبر سنوات طويلة وتعاقب وزراء مختلفين عليها، لم تنجح في لعب دور تحويلي حقيقي يغير طبيعة هذا القطاع أو ينقله من حالة الإدارة البيروقراطية إلى عقلية الاستثمار والتنمية، فمعظم المعالجات التي كانت تُطرح لم تكن حلولًا اقتصادية حقيقية، بل مجرد إعادة توزيع للخسائر، حيث يتم الأخذ من الشركات الرابحة لضخ الأموال في الشركات الخاسرة، فيبدو المشهد في الميزانيات الختامية وكأن هناك نجاحًا واستقرارًا، بينما الحقيقة أن كثيرًا مما كان يُعلن من أرباح أو تحسن مالي لم يكن إلا أرقامًا مصطنعة تخفي نزيفًا مستمرًا، وكأننا نغطي الفشل بدلًا من علاجه.
لم نشهد، للأسف، وزيرًا يمتلك عقلية استثمارية قادرة على إعادة اكتشاف الأصول، أو بناء شراكات نوعية، أو ابتكار نماذج اقتصادية جديدة تخلق قيمة حقيقية للدولة، بل إن السياسات التي استمرت لسنوات كانت في جوهرها، تُعاقب النجاح وتكافئ الفشل، تدعم الشركات المتعثرة دون إعادة هيكلة حقيقية، وتستهلك عوائد الكيانات الناجحة في سد فجوات لا تنتهي، حتى أصبح القطاع يدور في حلقة مفرغة تُرسخ الإخفاق أكثر مما تصنع النجاح.
وكانت النتيجة الطبيعية لهذه السياسات هي استنزاف القيادات الناجحة نفسها، وكبح قدرتها على الإنتاج والتطوير، لأن كثيرًا من القرارات لم تكن تُبنى على منطق اقتصادي بقدر ما كانت تخضع لرغبة كل وزير في أن يخرج في نهاية فترته بتقارير تحمل أرقامًا براقة توحي بوجود إنجازات كبرى تحققت في عهده، حتى لو كانت هذه الإنجازات مصطنعة وغير قابلة للاستمرار، فكانت الشركات الرابحة تُجبر عمليًا على إنقاذ شركات أخرى فاشلة، لا تملك خطة إصلاح حقيقية، ثم تحدث المفارقة الأغرب حين تقوم بعض هذه الشركات التي تعيش أصلًا على دعم غيرها بتوزيع أرباح شكلية وكأنها حققت نجاحًا فعليًا.
هذا المناخ أصاب كثيرًا من المديرين التنفيذيين المبدعين بالإحباط، لأن النجاح الحقيقي لم يكن يُكافأ، بل كان يُستنزف لصالح تغطية الفشل، ولهذا غادرت كفاءات حقيقية وقيادات تمتلك عقلية تطوير واستثمار إلى القطاع الخاص، بعدما شعرت أن بيئة العمل داخل الوزارة لم تعد تسمح ببناء نماذج ناجحة بقدر ما كانت تُدار بمنطق التوازنات الورقية والتجميل المحاسبي.
ومع الوقت، أفرغت هذه السياسات القطاع من كثير من المديرين التنفيذيين القادرين فعلًا على صناعة الفارق، وبقيت الهياكل قائمة بينما تآكلت بداخلها روح الإدارة الحقيقية.
لكن بعد مرور الوقت الآن، يبدو أن السؤال الأهم اليوم هو: ماذا حدث فعليًا لقطاع الأعمال العام بعد إلغاء الوزارة؟
للأسف، الواضح أن الحكومة ما زالت تدور داخل نفس الأزمة القديمة، وربما بصورة أكثر تعقيدًا، فالوزارة تم تفكيكها شكليًا، لكن الذهنية الإدارية نفسها ما زالت قائمة، بل يمكن القول إننا انتقلنا من وجود وزير واحد مسؤول عن القطاع، إلى وجود عدة “وزراء صغار” داخل الشركات القابضة، حيث أصبحت كل شركة قابضة تدير قطاعها بمعزل عن رؤية اقتصادية موحدة للدولة، ويتصرف كل رئيس شركة وكأنه الوزير المختص بقطاعه، دون تنسيق حقيقي أو تصور شامل لتعظيم العائد من أصول الدولة.
لكن ما بدا واضحًا بعد ذلك هو أن قرار إلغاء الوزارة نفسه جاء، على ما يبدو، دون وجود تصور استراتيجي مكتمل لما سيحدث في اليوم التالي للإلغاء، فالدولة أزاحت الهيكل الإداري القديم، لكنها لم تُعلن بوضوح: ما هو النموذج البديل؟ وما هو المصير النهائي لشركات قطاع الأعمال العام؟ هل كان هناك اتجاه لدمج بعض الشركات داخل كيانات اقتصادية أكبر وأكثر كفاءة؟ هل كان مخططًا نقل بعض الشركات إلى الوزارات المتخصصة بحسب طبيعة نشاطها؟ أم كان الهدف هو تحويل جزء منها إلى الصندوق السيادي ليُدار بعقلية استثمارية مختلفة؟
الحقيقة أن المشهد بدا مرتبكًا، وكأن قرار الإلغاء سبق إعداد الخطة البديلة، فتحولت الشركات إلى كيانات تتحرك في مساحة ضبابية، لا هي بقيت تحت قيادة مركزية واضحة، ولا انتقلت إلى نموذج اقتصادي حديث مكتمل المعالم، ومع غياب الرؤية الحاسمة، استمر كثير من الملفات كما هو، وبقيت الأسئلة الكبرى معلقة دون إجابات واضحة، بينما كانت الدولة تحتاج في تلك اللحظة تحديدًا إلى إعادة رسم خريطة كاملة لقطاع الأعمال العام، لا مجرد حذف اسم وزارة من الهيكل الحكومي.
لقد ركز الرئيس عبد الفتاح السيسي في رؤيته، على تحويل قطاع الأعمال العام من "عبء مالي" إلى "رافد إنتاجي" يساهم بقوة في الاقتصاد الوطني، فقد وجه الرئيس بمواصلة العمل على تعظيم العوائد من الأصول غير المستغلة للشركات القابضة والتابعة، وتحسين الأداء المالي والإداري، والشراكة مع القطاع الخاص، من خلال التركيز على إشراك القطاع الخاص كشريك استراتيجي في الإدارة والإنتاج (وليس فقط كمتلقٍ للأصول)، لتعزيز الكفاءة التشغيلية، كما وجه الرئيس بتحديث الصناعة والتكنولوجيا، وبتحديث المصانع وخطوط الإنتاج وتوطين التكنولوجيا الحديثة، مع التركيز على الصناعات الاستراتيجية مثل الغزل والنسيج، بالإضافة إلى زيادة الصادرات، ورفع القدرة التنافسية للمنتجات المحلية لزيادة الصادرات، مع تطوير العنصر البشري لرفع كفاءة العاملين وتدريبهم وفقًا لأحدث النظم.
لم يغفل الرئيس أيضا في أن يُوَّلي قطاع السياحة أهمية قصوى باعتباره أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة والنمو الاقتصادي، وكان من أبرز ما قاله الرئيس السيسي عن السياحة وطموحاته، هدف الـ 30 مليون سائح، حيث أكد الرئيس حرص مصر على مواصلة تطوير القطاع للوصول إلى هدف استقبال 30 مليون سائح سنويًا بحلول عام 2030، لذلك شدد على أن الحفاظ على الأمن والأمان ضرورة حتمية لتعزيز السياحة، كما وجه بتطوير البنية التحتية في الطرق، المطارات، وكما حدث في المتحف المصري الكبير، ليجعل مصر وجهة سياحية عالمية تفضيلية، بالإضافة إلى التنوع السياحي ما بين (ثقافي، بيئي، شاطئي) لجذب أنماط مختلفة من السياح.
وهنا تظهر الفجوة الكبيرة بين رؤية القيادة السياسية وسرعة الحكومة في التنفيذ، والسؤال عن دور الشركة القابضة للسياحة في تنفيذ توجيهات الرئيس سؤال مشروع وحتمي، ولماذا لا تدخل شركات أخرى ناجحة في قطاع التشييد والتعمير لتسهم في تعزيز خطة الرئيس بإقامة شقق أو وحدات فندقية صغيرة تزيد من نسبة الوحدات الفندقية، وتعزز الفئات الأقل دخلا من مصر وخارجها وتشجعهم على السياحة سواء الداخلية أو الخارجية؟
ماذا فعلت الحكومة فعليًا لتحقيق هذا الهدف؟ أين إعادة توظيف الأصول السياحية؟ أين التوسع الفندقي الحقيقي؟ أين الدمج الاقتصادي بين الشركات والأراضي والأصول لتحقيق طفرة سياحية تتناسب مع توجه الرئيس بالوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا بحلول عام 2030؟
حتى الآن لا يبدو أن هناك تصورًا اقتصاديًا متكاملًا، بقدر ما توجد إدارات منفصلة تتحرك كل منها داخل حدودها الضيقة.
الأزمة الحقيقية ليست نقصًا في الأصول، وإنما ضعف إدارة هذه الأصول.
نأخذ مثلًا حالة شركة مثل النصر العامة للمقاولات (حسن علام) الشركة تعاني من تعثرات ومديونيات تاريخية لم يتم التعامل معها جذريًا منذ سنوات، فتضاعفت الأعباء والمديونيات بشكل هائل، وفي الوقت نفسه تستمر الحكومة في الحديث عن اصلاحات هيكلية ومالية يبدو أنها لن تثمن ولا تغني من جوع، وفي 24 يناير من هذا العام، قررت الشركة القابضة للتشييد والتعمير بناء على الجمعية العمومية غير العادية لشركة النصر العامة للمقاولات(حسن علام) بجلستها في 26 مايو سنة 2025، زيادة رأس مال الشركة على أن تمول من الأرصدة الدائنة المستحقة للشركة القابضة ويتم تخفيض رأس المال مقابل الخسائر المرحلة!
ما حدث هنا يعني عمليًا أن الشركة القابضة قامت بتحويل جزء من الديون المستحقة لها على شركة النصر العامة للمقاولات (حسن علام) إلى رأس مال، ثم جرى في المقابل تخفيض رأس المال لإطفاء الخسائر المرحلة المتراكمة في ميزانية الشركة، وبمعنى أبسط، بدل أن تظهر هذه الأموال كـ “ديون واجبة السداد” على الشركة المتعثرة، تم تحويلها محاسبيًا إلى مساهمة رأسمالية، ثم استُخدم جزء من رأس المال الناتج لمحو الخسائر القديمة من الدفاتر، حتى تبدو القوائم المالية أكثر توازنًا وأقل تدهورًا.
هذا الإجراء من الناحية القانونية والمحاسبية ليس مخالفًا في حد ذاته، بل يُستخدم أحيانًا في عمليات إعادة الهيكلة المالية للشركات المتعثرة، خاصة عندما تكون الدولة أو المساهم الرئيسي مقتنعًا بأن الشركة ما زالت تملك فرصة حقيقية للتعافي مستقبلًا، فهو يخفف عبء المديونية والفوائد، ويحسن الشكل الظاهري للمركز المالي، ويمنع الوصول إلى مرحلة تآكل كامل لحقوق الملكية.
لكن المشكلة الجوهرية ليست في الإجراء نفسه، بل في الإشكالية الأخطر: هل تم ذلك ضمن خطة إصلاح وتشغيل حقيقية؟ أم أنه مجرد “تجميل مالي” لتأجيل الأزمة؟ وإذا لم يصاحب هذه العملية إعادة هيكلة تشغيلية حقيقية، وضبط للنفقات، وتطوير للنشاط، وإيجاد مصادر ربح مستدامة، وفصل للأنشطة الرابحة عن الخاسرة، فإن ما يحدث يصبح مجرد نقل للخسائر من خانة إلى خانة أخرى داخل الدفاتر، دون علاج حقيقي للأسباب التي صنعت الأزمة أصلًا.
والخطورة هنا كبيرة لعدة أسباب، فهذا النوع من المعالجات قد يصنع انطباعًا وهميًا بأن الشركة “تعافت”، بينما هي عمليًا لم تُولد تدفقات نقدية جديدة ولم تتحسن قدرتها التشغيلية، كما أن تحويل الديون إلى رأس مال يعني عمليًا تحميل المساهم الرئيسي - أي الدولة أو الشركة القابضة - تكلفة الفشل المتراكم، دون ضمان حقيقي لعدم تكراره، بالإضافة إلى أن تخفيض رأس المال لإطفاء الخسائر قد يحسن الصورة المحاسبية، لكنه لا يخلق قيمة اقتصادية جديدة، ولا يعني أن الشركة أصبحت ناجحة أو قادرة على المنافسة.
وأيضا، فإن استمرار هذا النمط دون إصلاح حقيقي قد يحول القطاع كله إلى منظومة تعتمد على “إعادة تدوير الخسائر” بدل صناعة الأرباح.
فهل ما حدث هو جزء من مشروع إنقاذ اقتصادي حقيقي؟ أم مجرد محاولة لإعادة ترتيب الأرقام حتى تبدو الميزانيات أقل سوءًا؟ وإذا غابت الرؤية الاستثمارية والإدارية الواضحة، فإن هذه الحلول تصبح أشبه بإعطاء مسكنات لمريض يحتاج إلى جراحة كاملة، فتتأخر الأزمة… لكنها لا تنتهي.
لقد فاز تحالف شركة النصر للمقاولات (حسن علام) مع شركة "سماء البصرة" بمشروع حيوي في العراق يتضمن نفقًا وجسرًا بتكلفة 41 مليون دولار لتعزيز التواجد المصري في مشروعات البنية التحتية الإقليمية، كما أن هناك إشارات لتوسعات أخرى في مشروعات البنية التحتية في العراق، فإذا كان هناك كيان واعد مثل “حسن علام العراق” يقوم بدور استثماري كبير ويملك فرص نمو حقيقية خارج السوق المحلية، فلماذا لا يتم فصل النشاط الواعد وتحويله إلى شركة مستقلة تُطرح باعتبارها كيانًا استثماريًا جديدًا قادرًا على جذب المستثمرين وتحقيق قيمة مضافة؟ أليس هذا هو المعنى الحقيقي لحسن استغلال الأصول، وفصل للأنشطة الرابحة عن المتعثرة؟
وفي قطاع التشييد والتعمير، فنجد شركة مثل مصر الجديدة للإسكان والتعمير تحقق أرباحًا ضخمة وصلت إلى نحو 2.705 مليار جنيه، مقابل 2.559 مليار جنيه في السنة المالية السابقة 2024/2025م، حيث قفزت إيرادات النشاط بنسبة 197% لتسجل 3.135 مليار جنيه، مما يعكس نجاح استراتيجية الشركة في تعظيم الاستفادة من أصولها العقارية، بينما توجد شركات أخرى تمتلك مساحات أراضٍ هائلة غير مستغلة بالشكل الأمثل، مثل زهراء المعادي التي تملك نحو مليون و200 ألف متر مربع في مساحات مميزة خلف كارفور المعادي، ومع ذلك ما زالت قدراتها الاستثمارية أقل بكثير من حجم ما تملكه من أصول، والدليل أنها حققت أرباح 700 مليون جنيه فقط من بيع قطع أراضي.
السؤال هنا: لماذا لا يتم دمج بعض هذه الشركات داخل كيانات أكبر وأكثر قدرة على الإدارة والتطوير؟ لماذا لا تُضم زهراء المعادي وشركات مشابهة إلى شركة قوية مثل مصر الجديدة للإسكان، أو يتم ضم كل هذه الكيانات تحت كيان مستقل يضم كافة شركات التطوير وتحت إدارة مجلس مميز وباستراتيجية واضحة قابلة للتطبيق وتستفيد من محفظة الأراضي بهذه الشركات مجتمعة لتحقيق فرصة كبيرة للمنافسة، بما يحقق تعظيمًا للأصول، وتخفيضًا في النفقات الإدارية، وتقليلًا لعدد مجالس الإدارات، وتحويل الشركات من جزر منفصلة إلى كيان اقتصادي متكامل؟
واليوم، تقدم شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير نموذجًا مختلفًا تمامًا يؤكد أن شركات قطاع الأعمال العام قادرة على تحقيق نجاحات حقيقية عندما تتوافر الإدارة الواعدة والجادة والرؤية الاستثمارية الواضحة، فالشركة تحقق اليوم طفرات تاريخية وغير مسبوقة في الأرباح، ليس عبر معالجات محاسبية أو دعم من شركات أخرى، وإنما من خلال إنجازات حقيقية على الأرض وإعادة توظيف ذكية للأصول، وما يحدث الآن في مدينة هليوبوليس الجديدة، بعد سنوات طويلة من الإهمال امتدت لما يقارب ربع قرن، يمثل نقلة عمرانية واستثمارية تستحق التوقف أمامها ودراستها كنموذج ناجح داخل قطاع الأعمال المصري، لأنها تؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في نقص الإمكانيات، بل في غياب الإدارة القادرة على تحويل الأصول إلى قيمة حقيقية وتنمية مستدامة، وحين توفرت الإدارة الخبيرة كانت الإنجازات الحقيقية.
الدولة لا تحتاج فقط إلى بيع الأراضي لتحقيق أرباح وقتية، بل تحتاج إلى إدارة اقتصادية ذكية تعظم القيمة المستقبلية للأصول.
ومن هنا، أرى أن شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، يجب أن تخرج من هذا الإطار التقليدي المتعثر الذي استنزف كثيرًا من الشركات الناجحة، وإذا لم تندمج في الكيان الذي تم اقتراحه، يمكن أن تُضم إلى وزارة الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة باعتبارها كيانًا عمرانيًا واستثماريًا يملك خبرات وأصولًا تتكامل بطبيعتها مع دور الوزارة في التنمية والتوسع العمراني، أو يمكن أيضا ضمها إلى الصندوق السيادي المصري الذي يضمن حسن استغلال إمكاناتها، فالشركة اليوم لا تقدم نموذجًا لشركة حكومية تبحث عن النجاة، بل نموذجًا لكيان قادر على صناعة قيمة حقيقية وتنفيذ مشروعات وتنمية أصول بصورة احترافية، ومن الظلم أن تُترك مستقبلًا داخل منظومة قد تعيد تحميلها فاتورة خسائر شركات متعثرة، فتتحول أرباحها ونجاحها إلى وسيلة لإنقاذ غيرها، ثم تبدأ هي نفسها في التعثر والتآكل كما حدث مع نماذج كثيرة من قبل، فالحفاظ على الشركات الناجحة لا يقل أهمية عن إصلاح الشركات الخاسرة، لأن هدم نموذج ناجح واحد قد يستغرق سنوات طويلة لتعويضه، وفي نفس الوقت يقدم نموذجا حقيقيا لوجهة نظر الرئيس في تطوير هذه الشركات وأن تصبح كيانا حقيقيا منتجا.
كما أرى أن شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير لا يجب أن يقتصر دورها على التطوير المحلي فقط، بل يمكن أن تتحول إلى ذراع مصرية قوية في تصدير العقار للخارج، خاصة مع ما تملكه من خبرات واسعة وأصول وقدرات تنفيذية متراكمة، فالشركة تستطيع أيضا الدخول في مشروعات عمرانية كبرى داخل دول الخليج العربي وأفريقيا، وباقي الدول العربية، مستفيدة من السمعة التاريخية للاسم المصري في مجالات التشييد والتطوير، بل ويمكن أيضًا استغلال بعض أراضيها، أو ضم أراضٍ جديدة إليها في مناطق سياحية أكثر جذبًا، للدخول بقوة في مشروعات الوحدات الفندقية والشقق السياحية، وهو قطاع أصبح أحد أهم أدوات جذب العملة الأجنبية عالميًا، وبهذا يمكن للشركة أن تتحول من مجرد مطور عقاري تقليدي إلى كيان استثماري وتنموي يساهم بصورة مباشرة في دعم رؤية الرئيس 2030، وخاصة في ملفي السياحة وتصدير العقار، وهما من أهم الملفات القادرة على توفير تدفقات نقدية مستدامة للاقتصاد المصري.
وفي قطاع السياحة تحديدًا، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فالقابضة للسياحة تمتلك فرصة هائلة لو تم دعمها بأصول وأراضٍ من شركات خاسرة أو غير مستغلة، لتحويلها إلى توسعات فندقية ومشروعات سياحية متكاملة تدعم خطة الدولة السياحية، لكن حتى الآن لا يبدو أن هناك تفكيرًا حقيقيًا في التكامل بين الأصول، وكأن كل شركة تعمل داخل حدودها المغلقة دون رؤية قومية شاملة.
هناك تجربة أيضا يجب الإشارة إليها، وتشجيع تكرارها، فقد شهدت مصر في أوائل مايو من العام الحالي، توقيع اتفاق شراكة استراتيجية ضخم بقيمة تصل إلى 900 مليون دولار لتوسيع مجمع الألومنيوم بنجع حمادي في محافظة قنا، والذي يعد أحد أهم قلاع الصناعة المصرية، وهذا العقد تم توقيعه بين الشركة القابضة للصناعات المعدنية (ممثلة في شركة مصر للألومنيوم) بالشراكة مع شركة (ترافيجورا العالمية)، وهدف هذه التوسعة هو إنشاء مجمع صناعي متكامل داخل الموقع الحالي لزيادة الطاقة الإنتاجية بمقدار 300 ألف طن سنويًا، مما يضاعف القدرة الإنتاجية الإجمالية للمجمع لتصل إلى نحو 600 ألف طن سنويًا، بما يهدف إلى تعزيز الصادرات من خلال دعم قطاع التصدير وزيادة حصيلة النقد الأجنبي، وتأهيل المنتج المصري للمعايير البيئية الأوروبية (CBAM)، وتلبية الطلب العالمي المتزايد على الألومنيوم في صناعات النقل والسيارات الكهربائية، بالإضافة إلى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة ودعم التنمية الصناعية في صعيد مصر.
وينبغي أيضا أن نشير إلى شركة المقاولات المصرية (مختار إبراهيم)، والتي تمتلك فروعًا خارجية نشطة، خاصة في دول الخليج العربي وشمال إفريقيا، حيث تنفذ مشروعات ضخمة في البنية التحتية، مياه الشرب، الصرف الصحي، والإسكان، ويتركز نشاطها الخارجي بشكل كبير في سلطنة عُمان، الإمارات، ليبيا، الجزائر، والسعودية.
و شركة المقاولات المصرية (مختار إبراهيم)، تمتلك بالفعل حضورًا خارجيًا نشطًا، وهذا النجاح الخارجي لا ينبغي التعامل معه كامتداد ثانوي لنشاط الشركة الأم، بل كأصل اقتصادي قائم بذاته يمكن البناء عليه، فمن المنطقي التفكير في تحويل الفروع الخارجية الناجحة إلى كيانات مستقلة أو شركات تابعة قابلة للنمو، يتم طرحها لاحقًا في البورصة أو فتحها لشراكات استثمارية، بما يسمح بجذب رؤوس أموال جديدة وتوسيع قاعدة الملكية وتعظيم القيمة السوقية، وهذا التوجه لا يحقق فقط تعظيم العائد للدولة، بل يخفف أيضًا العبء التشغيلي والإداري عن الشركة الأم داخل مصر، ويجعل “مختار إبراهيم” المحلية أكثر تركيزًا على السوق الداخلي بكفاءة أعلى، بينما تتحول الفروع الخارجية إلى محركات نمو مستقلة قادرة على التوسع والتنافس إقليميًا ودوليًا، بما يخلق نموذجًا أكثر مرونة وربحية لقطاع المقاولات المصري ككل.
إن ما يحدث اليوم - في التعامل مع شركات قطاع الأعمال بعد إلغاء الوزارة - يكشف بوضوح أن المشكلة ليست في غياب الرؤية السياسية، وإنما في بطء الجهاز التنفيذي، وفي استمرار العقلية البيروقراطية القديمة حتى بعد تغيير الهياكل والأسماء.
فالدولة لديها أهداف واضحة، والرئيس يطرح طموحات اقتصادية كبيرة، لكن سرعة التنفيذ ما زالت أقل كثيرًا من حجم التحديات، وما لم يتم الانتقال من إدارة الشركات إلى إدارة “محفظة أصول الدولة” بعقلية اقتصادية حديثة، ستظل الكثير من الفرص تضيع بين تعدد الجهات، وبطء القرار، وغياب التكامل.
إن نجاح قطاع الأعمال العام لن يتحقق بمجرد تغيير أسماء الوزارات أو نقل التبعية الإدارية، وإنما بإعادة تعريف وظيفة هذا القطاع بالكامل، وهل هو مجرد عبء إداري يتم تقليصه؟ أم ذراع اقتصادي ضخم يمكن أن يصبح أحد أهم مصادر القوة والاستثمار للدولة المصرية؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن… قبل أن يسبقنا الزمن مرة أخرى.


