بدأت منذ قليل فعاليات منتدى أوراق الذي تقيمه جريدة "حرف" الثقافية بمؤسسة الدستور الصحفية، والذي يعد لقاء إبداعيا مع الشاعر الكبير أحمد سويلم ويدير اللقاء الناقد والأكاديمي الدكتور يسري عبد الله.
في مستهل تقديمه للدوة يناقش الناقد الدكتور يسري عبد الله عن الملامح الجمالية والفكرية للمنجز الشعري لأحمد سويلم. وتحولات القصيدة لديه، والمشهد الشعري الراهن.
أحمد سويلم أحد أبرز شعراء العربية المعاصرين
قال عبد الله عد أحمد سويلم أحد أبرز شعراء العربية المعاصرين، إذ تمتد تجربته الإبداعية منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، مقدِّمًا مشروعًا شعريًا ثريًا لا يقتصر على كتابة الشعر، بل يمتد إلى المسرح الشعري، وأدب الأطفال، والدراسات النقدية. وقد أصدر عددًا كبيرًا من الدواوين، من أبرزها: «الطريق والقلب الحائر»، و«الهجرة من الجهات الأربع»، و«البحث عن الدائرة المجهولة»، و«الليل وذاكرة الأوراق»، و«الخروج إلى النهر»، و«الشوق في مدائن العشق»، و«قراءة في كتاب الليل»، و«الرحيل إلى المدن الساهرة»، و«لزوميات»، و«مرافئ الظمأ»، و«ماذا يريد البحر»، وصولًا إلى أعماله الشعرية الكاملة في أربعة أجزاء، ثم دواوينه اللاحقة، ومنها «مكابدات أول العشاق» و«قليل من البوح يكفي».
وأكد عبد الله على أن تتميز تجربة سويلم بأن عناوين دواوينه وقصائده لا تؤدي وظيفة تعريفية فحسب، وإنما تشكل جزءًا أصيلًا من البنية الدلالية للنص. ويتجلى ذلك بوضوح في عنوان «مرافئ الظمأ»، الذي يقوم على مفارقة تجمع بين دلالة المرافئ بوصفها فضاءً للوصول والاستقرار، والظمأ بوصفه رمزًا للعطش والافتقاد، ومن هذا التوتر الدلالي يتأسس عالم شعري لا يعرف الاكتمال، بل يظل مفتوحًا على الترحال والبحث الدائم.
ويشكل القلق الوجودي أحد أبرز ملامح هذا العالم، فالذات الشاعرة تبدو في رحلة لا تنتهي، كما يقول: «لا ندري... إلى أين الموانئ... أترانا في صراع الموج»، لتصبح المرافئ محطات مؤقتة في مسيرة الإنسان، لا نهايات نهائية.
وتتجلى تيمة الاغتراب بوصفها البنية المهيمنة على شعر أحمد سويلم، فهي اغتراب عن المكان كما في «مرافئ الظمأ»، واغتراب عن الذات كما في «مكابدات أول العشاق»، لينتهي الأمر إلى اغتراب وجودي شامل، تنفصل فيه الذات عن العالم المحيط بها، وهو ما يتجسد في قوله: «لا أحد... لا أجدني».
كما يحضر جدل الحياة والموت بوصفه أحد المرتكزات الفكرية في تجربته، حيث لا يبدو الموت نهاية، بل يتحول إلى لحظة من لحظات اكتمال الوجود واستمرار دورته، وهو ما يمنح قصائده طاقة دائمة على الاحتفاء بالحياة ومقاومة الفناء.
وتبرز قصيدة «الألوان» بوصفها نموذجًا دالًا على رمزية عالمه الشعري؛ فالتكرار في قوله: «ألوان... ألوان... ألوان» لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، وإنما يحيل إلى تنويعات النفس الإنسانية وتحولات الوعي، وإلى توق الذات إلى عالم أكثر جمالًا وإنسانية.
وفي ديوان «مكابدات أول العشاق» يتجلى الحس الصوفي بوضوح، حيث يتداخل البعد الروحي مع الجمالي في نسيج شعري متماسك، لتغدو التجربة الصوفية جزءًا من رؤية شعرية أوسع، تسعى إلى اكتشاف الذات والعالم عبر لغة عالية الكثافة والإيحاء.


