ليس النسبُ عند العربِ مجرّدَ أسماءٍ تُروى، ولا شجرةً تُعلَّق على الجدران، بل هو ذاكرةُ أمة، وامتدادُ روح، وسلسلةُ وفاءٍ تصلُ الحاضرَ بالماضي، والأبناءَ بالأجداد.
وإذا ذُكر السادةُ الأشراف، فإن القلوبَ تخشعُ إجلالًا لآلِ بيتِ رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- أولئك الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا، وجعل مودّتَهم قربى، وذكرَهم فى الأرض رفعةً وكرامة.
ومن بين القبائلِ الشريفة التى حفظت هذا المجدَ وصانت هذا الإرثَ، تبرز قبيلةُ السادة الأشراف الجعافرة الحسينيين، تلك القبيلةُ التى يمتدُّ نسبُها الطاهرُ إلى الإمامِ الجليل، العالمِ الربانى، سليلِ النبوّة، جعفر الصادق عليه السلام، حفيدِ الإمام الحسين بن علىٍّ- رضى الله عنهما-، وريحانةِ بيت الرسالة، ومعدنِ العلمِ والحكمة.
لقد كان الإمام جعفر الصادق عليه السلام بحرًا فى العلم، ومشعلًا للهداية، أخذ عنه الفقهاءُ والعلماء، وانتشرت أنوارُه فى الآفاق، حتى صار اسمُه عنوانًا للمعرفة والتقوى. ومن ذريته الكريمة خرجت بطونٌ شريفة حملت رايةَ آل البيت، وكان من تلك البطون المباركة الجعافرة الحسينيون، الذين انتشروا فى الديار العربية والإفريقية، يحملون معهم شرفَ النسب وسموَّ الأخلاق.
ومن أعلام هذه السلالة المباركة
السيد محمد أبو جعافر بن السيد يوسف بن السيد إبراهيم بن السيد عبدالمحسنبن السيد حسين الفاسى الرضوى الجعفرى الصادقى الحسينى الهاشمى وأبناؤه هم:
السيد كميل الدين والسيد كمال الدين
والسيد أحمد والسيد حماد والسيد عيسى
والسيد جهينة والسيد الأمير حمد.
وأما الأميرُ الشريفُ حمد بن محمد أبو جعافر الحسينى، ذلك الرجلُ الذى ارتبط اسمُه بالمجدِ والسيادة والكرم، والمولودُ بأرضِ البحيرة سنة ٦٣٢هـ، والذى ارتحل فى ربوع مصر حتى استقرّ به المقامُ فى مدينة الطود بمحافظة الأقصر وتأمر عليها بعد أن تزوج السيدة فاطمة بنت الأمير محمد الطودى، حيث صار مقامُه مزارًا معروفًا وموضعَ تقديرٍ ومحبةٍ بين الناس.
وقد كان الأمير حمد أبو جعافر واحدًا من رجالات آل البيت الذين جمعوا بين الشرفِ والسيادة، وبين الحكمةِ والهيبة، فالتفّت حوله القبائل، وعُرف نسله بين العربِ بالنجابةِ والمروءةِ وصلةِ الرحم، حتى أصبحت ذريته من أشهر بيوتات الجعافرة فى صعيد مصر، ولا سيّما فى مناطق الأقصر وقنا وأسوان. ثم امتدّت فروعُ الجعافرة الحسينيين خارج مصر، فكان لهم وجودٌ معروفٌ فى السودان، حيث اختلطوا بأهلِ الوادى والنيل وتشاد، ونشروا قيمَ الصلحِ والكرمِ والعلم. كما عُرفت بطونٌ منهم فى ليبيا والقيروان، ولا سيّما فى المناطق التى احتفظت بروابطها القديمة مع القبائل العربية القادمة من مصر والحجاز.
أما فى أرضِ الحجاز، موطنِ الرسالة ومهبطِ الوحى، فقد ظلّ اسمُ الجعافرة مرتبطًا بأشراف آل البيت، الذين حافظوا على مكانتهم الدينية والاجتماعية عبر القرون، وظلّت بينهم أواصرُ الدمِ والرحمِ متصلةً بأبناء عمومتهم فى مصر والسودان وليبيا.
ولم يكن انتشارُ الجعافرة انتشارَ قبيلةٍ تبحثُ عن أرضٍ أو سلطان، بل كان امتدادَ نورٍ روحيٍّ وثقافى، حمل معه أخلاقَ أهل البيت عليهم السلام؛ من الحِلمِ، والجود، ونصرةِ المظلوم، وإكرامِ الضيف، وصونِ الجار، وتعظيمِ الدين الوسطى. ولذلك ظلّت سيرتُهم حاضرةً فى المجالس، تتناقلها الألسنُ بمحبةٍ واحترام.
إن الحديثَ عن السادة الأشراف الجعافرة الحسينيين ليس حديثًا عن قبيلةٍ فحسب، بل هو حديثٌ عن جذورٍ ضاربةٍ فى عمق التاريخ الإسلامى، وعن رجالٍ حفظوا العهدَ مع الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وصانوا شرفَ الانتسابِ إلى آل البيت الكرام، فكانوا زينةً للأنساب، ومصدرَ فخرٍ لأوطانهم ومجتمعاتهم.
سلامٌ على آل البيت الطاهرين، وسلامٌ على كلِّ من حمل نسبَهم بحقٍّ، فجمع مع شرفِ الدمِ شرفَ الخلقِ والعمل، وبقى وفيًّا لقولِ النبى- صلى الله عليه وآله وسلم-: «أذكّركم الله فى أهل بيتى».
قال الشريف إسماعيل:
يارب قو ركن آل جعافر
أجداد آبائى بنوا قيعانا
من كادهم يارب كده ومن طغى
خذه سريعًا إن بغى عدوانًا
من قوة بهرت تقوى حزبهم
من سر أمداد لنا قد بانا
يارب كثر نسلهم ومعاشهم
رغدًا هنيئًا أصلحن الشأنا
يارب أوزعنى لأوصل حبلهم
أرحام آبائى نأوا بلدانًا


