لم يعد اكتئاب الصيف يرتبط فقط بارتفاع درجات الحرارة أو التغيرات البيولوجية، بل أصبح يعكس تغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب الدكتورة شيماء مجدي حسين، مدرس علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس.
وترى أن الظاهرة في صورتها الحالية تجاوزت مفهوم الاكتئاب الموسمي التقليدي، وأصبحت نتاجًا لعوامل متشابكة، يأتي في مقدمتها الاستعراض الرقمي، والمقارنات الاجتماعية، وارتفاع تكاليف الحياة، وهي عوامل تدفع كثيرين إلى الشعور بالإحباط خلال فصل الصيف.
السوشيال ميديا صنعت صورة مثالية للصيف
أوضحت الدكتورة شيماء مجدي حسين أن الشعور بالحزن عند مشاهدة صور المصايف لا يرتبط برؤية البحر أو الشاطئ في حد ذاته، وإنما بما أصبحت تمثله هذه الصور في الوعي الجمعي، إذ تحولت الشواطئ والمنتجعات إلى رمز للحياة الناجحة والسعيدة.
وأضافت أن امتلاك تجربة صيفية "مثالية" أصبح هدفًا يسعى كثيرون إلى تحقيقه أو إظهاره أمام الآخرين عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما جعل الصيف بالنسبة للبعض موسمًا للمقارنة أكثر منه موسمًا للراحة.
المقارنات الاجتماعية تزيد الشعور بالحرمان
وأكدت مدرس علم الاجتماع أن الصور المنشورة عبر مواقع التواصل تخلق ما يعرف في علم الاجتماع بـ"الحرمان النسبي"، إذ لا يقارن الفرد حياته بما يملكه بالفعل، وإنما بما يشاهده لدى الآخرين، فيشعر بأنه أقل حظًا أو محروم، حتى إذا كانت ظروفه المعيشية مستقرة نسبيًا.
وأشارت إلى أن المشكلة تتجاوز المقارنات التقليدية بين الأقارب أو الجيران، لأن منصات التواصل وسعت دائرة المقارنة لتشمل آلاف الأشخاص، وغالبًا ما تكون المقارنة مع أشخاص يتمتعون بمستوى اقتصادي أعلى أو أسلوب حياة أكثر رفاهية، ما يزيد من الضغوط النفسية.
متلازمة FOMO تزيد الإحباط
وأضافت الدكتورة شيماء أن ما يعرف بـ"متلازمة الخوف من تفويت الفرص" (FOMO) أصبح أحد أبرز العوامل المرتبطة باكتئاب الصيف، إذ يشعر الشخص بأن الجميع يعيشون أفضل لحظاتهم بينما يقضي هو وقته في العمل أو الالتزامات اليومية.
وأوضحت أن هذا الإحساس يحول الصيف من موسم للراحة إلى مصدر دائم للإحباط، خاصة مع التعرض المستمر للصور التي تعرض جانبًا مثاليًا فقط من حياة الآخرين.
صور مثالية تخفي الواقع
ولفتت إلى أن التعرض المتكرر للمحتوى المثالي عبر منصات التواصل يؤدي تدريجيًا إلى إنهاك نفسي، ويؤثر في تقدير الإنسان لذاته، خصوصًا عندما يشعر بالعجز عن الوصول إلى نمط الحياة الذي يراه يوميًا على شاشة هاتفه.
وأضافت أن هذه المشاعر قد تتطور مع الوقت إلى الإحباط والشعور بالدونية، وربما تظهر لدى بعض الأشخاص أعراض اكتئابية حقيقية نتيجة استمرار المقارنات الاجتماعية.
ارتفاع الأسعار حول الإجازة إلى عبء
وأشارت الدكتورة شيماء مجدي حسين إلى أن الأزمة لا ترتبط بالسوشيال ميديا وحدها، إذ ساهمت الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف السفر والترفيه في زيادة الضغوط النفسية خلال الصيف.
وأوضحت أن الإجازة الصيفية تحولت لدى كثير من الأسر من وسيلة للهروب من الضغوط إلى عبء مالي جديد، في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار، ما جعل تكلفة قضاء بضعة أيام على الشاطئ تفوق إمكانات عدد كبير من الأسر متوسطة الدخل.
وأضافت أن كثيرًا من الآباء يعيشون صراعًا نفسيًا بين رغبتهم في إسعاد أسرهم ومحدودية إمكاناتهم المادية، وهو ما يولد لديهم مشاعر العجز والذنب والقلق، لتفقد الإجازة معناها الحقيقي باعتبارها فترة للراحة النفسية.
من اللمة العائلية إلى الاستعراض الرقمي
وأكدت مدرس علم الاجتماع أن صورة الصيف تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فلم تعد الإجازة ترتبط بالجلسات العائلية البسيطة أو قضاء الوقت مع الأسرة، بل أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لإظهار المكانة الاجتماعية.
وأوضحت أن كثيرين باتوا يوثقون أماكن وجودهم وملابسهم ومطاعمهم ومشروباتهم عبر مواقع التواصل، في محاولة لتقديم صورة مثالية عن حياتهم، بينما تخفي هذه الصور في كثير من الأحيان الضغوط المالية أو المشكلات الأسرية التي يعيشها أصحابها.
اكتئاب الصيف.. أزمة مجتمع قبل أن يكون اضطرابًا نفسيًا
واختتمت الدكتورة شيماء مجدي حسين تصريحاتها بالتأكيد على أن ما يعرف اليوم بـاكتئاب الصيف أصبح انعكاسًا لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة، تداخلت فيها الضغوط الاقتصادية مع ثقافة الاستهلاك والاستعراض التي فرضتها المنصات الرقمية.
وأضافت أن الترفيه تحول من وسيلة لاستعادة التوازن النفسي إلى معيار للمكانة الاجتماعية، ومصدر إضافي للضغط والشعور بعدم الكفاية، وهو ما يفسر تزايد الإحساس بالحزن والإحباط لدى كثير من الأشخاص خلال فصل الصيف.

