أكد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن الشائعات أصبحت واحدة من أخطر أدوات الحرب النفسية في العصر الحديث، لما تمتلكه من قدرة على التأثير في الحالة النفسية للمجتمع وزعزعة الثقة ونشر القلق، مشددًا على ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي لمواجهة انتشار المعلومات المضللة.
وقال هندي، في تصريحات خاصة لـ«الدستور»، إن خطورة الشائعة لا تكمن فقط في اختلاقها، وإنما في استمرار تداولها وتكرارها حتى تصل لدى البعض إلى مرحلة اعتبارها حقيقة مسلمًا بها، مستشهدًا بالمقولة النفسية الشهيرة: "الشائعة يؤلفها حاقد، وينشرها أحمق، ويصدقها غبي".
وأوضح أن تكرار الأكاذيب يمنحها قوة تأثير كبيرة، وفق القاعدة التي تعتمد عليها الحروب النفسية: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، مشيرًا إلى أن الهدف من الشائعات ليس فقط نشر معلومات غير صحيحة، وإنما التأثير على الوعي وإثارة حالة من الشك والاضطراب داخل المجتمع.
الشائعات تستهدف الاستقرار النفسي والاجتماعي
وأضاف استشاري الصحة النفسية أن الشائعات تترك آثارًا سلبية على المجتمع، حيث تؤدي إلى اعتلال المزاج، وزيادة مشاعر القلق والإحباط، وتراجع الإنتاجية، فضلًا عن التأثير على طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد.
وأشار إلى أن الشائعة لا تنتشر بشكل عشوائي، وإنما تقف خلفها دوافع وأهداف تستهدف توتير الأجواء، وزعزعة الاستقرار، وبث روح الإحباط والانهزامية، وتشكيك المواطنين في مؤسسات الدولة والإنجازات التي تحققت.
وحذر هندي من أن استمرار تأثير الشائعات قد يدفع بعض الأفراد إلى تبني مواقف سلبية أو سلوكيات فوضوية، بما قد يصل إلى الإضرار بالممتلكات العامة، مؤكدًا أن الحرب النفسية تستهدف في الأساس ضرب الثقة وإضعاف تماسك المجتمعات.
السوشيال ميديا بيئة خصبة لانتشار الشائعات
وكشف الدكتور وليد هندي عن أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الوسيلة الأوسع في نشر وتداول الشائعات، موضحًا أن منصات التواصل مسئولة عن نحو 79% من انتشار الشائعات.
وأشار إلى أن حجم انتشار المعلومات المضللة ظهر بشكل واضح خلال جائحة كورونا، موضحًا أنه خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الجائحة تم تداول نحو 65 مليون شائعة عبر تطبيق "واتساب" فقط حول العالم، وهو ما يعكس التأثير الكبير للمنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام.
وأوضح أن الشائعة الناجحة غالبًا لا تعتمد على الكذب الكامل، وإنما تحتوي على جزء من الحقيقة حتى تبدو أكثر إقناعًا للمتلقي، ثم تتم إضافة معلومات مغلوطة إليها لتحقيق أهداف معينة.
وضرب مثالًا على ذلك بانتشار معلومات صحيحة حول وجود لقاح، ثم إضافة ادعاءات كاذبة حول استخدامه في التجسس أو التسبب في أضرار صحية، مستغلين فضول الجمهور ورغبته في معرفة المعلومات الجديدة.
التشريح النفسي لمروّج الشائعة
وعن شخصية مروّج الشائعة، أوضح هندي أن نشر الشائعات لا يصدر عن أي شخص، وإنما يحتاج إلى مجموعة من الصفات والقدرات التي تمكن صاحبها من التأثير في الآخرين.
وأشار إلى أن مروج الشائعة غالبًا يمتلك قدرة على التعبير واستخدام لغة الجسد ونبرات الصوت لإقناع المتلقين، وقد يتسم باضطرابات سلوكية تجعله أكثر استعدادًا لنشر معلومات تضر بالآخرين.
وأضاف أن بعض مروجي الشائعات قد يحملون سمات شخصية "سيكوباتية"، تتمثل في العدائية تجاه المجتمع، وغياب الضمير والوازع الأخلاقي، وعدم الشعور بالمسئولية تجاه النتائج التي تترتب على ما ينشرونه.
وأوضح أن من سماتهم أيضًا حب الظهور والادعاء بامتلاك المعرفة بكل شيء، واستخدام التملق لكسب ثقة الآخرين، إلى جانب القدرة على التظاهر بالصدق والأمانة لخداع المتلقين وتمرير المعلومات الكاذبة.
مَن هو المتلقي الأكثر عرضة لتصديق الشائعة؟
وأوضح استشاري الصحة النفسية أن هناك عوامل تجعل بعض الأشخاص أكثر قابلية لتصديق الشائعات، من بينها ضعف الثقة بالنفس، والقلق المستمر، والاتكالية، ومسايرة الآخرين، والفضول الزائد، إضافة إلى الرغبة في الشعور بالأهمية من خلال نقل "الخبر الجديد".
وأكد أن بعض الأشخاص يشعرون بلذة أو مكانة اجتماعية عند امتلاك معلومة يعتقدون أنها جديدة، وهو ما يدفعهم إلى إعادة نشرها دون التحقق من صحتها.
روشتة مواجهة الشائعات
واختتم الدكتور وليد هندي تصريحاته بالتأكيد أن مواجهة الشائعات تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تعتمد على عدة محاور، في مقدمتها تغليظ العقوبات على مروجي الأكاذيب، وسرعة نشر الحقائق من مصادرها الرسمية، وسد أي فراغ معلوماتي يمكن أن تستغله الشائعات، مشددًا على أهمية تعزيز "التحصين الفكري" من خلال تطوير منظومة التعليم، وتوعية الشباب بآليات التحقق من المعلومات، واستثمار أوقات فراغهم في أنشطة إيجابية، بجانب تعزيز الثقة في المصادر الرسمية وقادة الرأي والمجتمع.



