صحة جريدة الجمهورية

الألم والأمل

دكتور: جمال مصطفى سعيد لم يعد السرطان هو ذلك الوحش الغامض الذى كان اسمه وحده كافيًا لإلقاء الرعب فى نفوس المرضى وذويهم، لم يعد كذلك، لكنه ما زال مرضًا خطيرًا بلا شك، ولا تزال بعض أنواعه من أشد ما يصيب الإنسان فتكًا… لكن شيئًا جوهريًا تغير: لقد بدأ الأطباء يفهمون هذا المرض، والمرض الذى يفهمه الأطباء ...

الألم والأمل
30 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

دكتور: جمال مصطفى سعيد

لم يعد السرطان هو ذلك الوحش الغامض الذى كان اسمه وحده كافيًا لإلقاء الرعب فى نفوس المرضى وذويهم، لم يعد كذلك، لكنه ما زال مرضًا خطيرًا بلا شك، ولا تزال بعض أنواعه من أشد ما يصيب الإنسان فتكًا… لكن شيئًا جوهريًا تغير: لقد بدأ الأطباء يفهمون هذا المرض، والمرض الذى يفهمه الأطباء يستطيعون أن يحاصروه، والذى يستطيعون أن يحاصروه يمكن أن يهزموه، أو على الأقل تحويله من عدو غامض إلى مرض يمكن السيطرة عليه.

ولمدة طويلة لم يكن الأطباء يعرفون لهذا المرض سبباً، لكن جنون الخلية فى المنطقة المصابة كان واضحًا، وأصبح واضحاً أيضاً أن هذا الجنون والذى يجعل الخلية تخرج من تحت سيطرة قوانين الجسم الصارمة والتى فطره الله عليها، ليس له إلا سبب واحد… طفرات فى المادة الوراثية التى تحكم كل شيء فى حياتنا منذ ان نولد وإلى ان نموت.

والسرطان فى حقيقته ليس مرضًا واحدًا كما يعتقد الناس، وإنما مجموعة كبيرة من الأمراض تختلف فى نشأتها وسلوكها واستجابتها للعلاج. وما يجمع بينها هو ذلكم الخلل الذى يحدث داخل الخلايا، ويؤدى إلى فقدان السيطرة الطبيعية على انقسامها ونموها.

كل هذه الحقائق وغيرها كانت بسبب التقدم الهائل فى علوم الوراثة وأيضا فى العلم المستحدث والذى يسمى علم البيولوجيا الجزيئية الذى عن طريقه أصبحنا نحن الأطباء نعرف بصورة أكثر دقة ما الذى يحدث داخل الخلية، وكيف يمكن لطفرة واحدة فى أحد الجينات أن تغير سلوكها، فتحولها من خلية طبيعية إلى خلية جامحة لا تلتزم بالقواعد التى تحكم بقية خلايا الجسم. وأما الذى يسبب هذا التحول الدراماتيكى فغير معروف بدقة، وقد يكون عشوائياً ومع مرور الزمن وتراكم السنين يصبح هذا التغير أكثر احتمالا، وهذا يفسر شيوع المرض فى كبار السن. وقد يكون هذا التغير بسبب عوامل وراثية – رغم ان القليل فقط من أنواع السرطان وراثية – لكن الأغلب الأعم أن هناك أسبابًا بيئية تؤدى إلى ذلك مثل التدخين والتعرض للإشعاع وأيضا الإصابة ببعض الفيروسات. ولعل القارئ المتابع كان على علم منذ سنوات ان انتشار سرطان الكبد فى مصر – والذى انحسر الآن – كان بسبب إصابة اكباد المصريين بالالتهاب الفيروسى «سي» وبعد تراكم المعلومات أصبح هذا المرض مفهوماً لنا عن أى وقت مضي، ومع هذا التحول الكبير فى فهم السرطان، تغيرت أسئلة الطبيب المعالج ولم يعد السؤال فقط: أين يوجد الورم؟ وكم يبلغ حجمه؟ وما هى مرحلته؟ وإنما أصبح السؤال أيضًا: ماذا يحدث داخل خلاياه؟ وما الطفرات التى تحكم سلوكه؟ وما الخصائص التى تجعل هذا الورم مختلفًا عن غيره؟… هذه المعرفة غيرت طريقة العلاج… وهنا بيت القصيد.

ففى الماضى كانت الجراحة فى كثير من الأحيان تقوم على مبدأ يبدو منطقيًا فى ذلك الوقت: إذا كان الورم خطيرًا، فلنستأصل أكبر قدر ممكن من الأنسجة المحيطة به، حتى لا نترك وراءنا خلية سرطانية واحدة. وكانت النتيجة أحيانًا عمليات واسعة وقاسية وأحيانا غير مقبولة، وصلت فى بعض الحالات إلى بتر العضو المصاب بأكمله، لأن الجراح كان يخشى أن يكون ما يتركه من نسيج طبيعى مأوى لخلايا سرطانية خفية.  لكننا تعلمنا بعد ذلك وبالملاحظة الدقيقة، أن السرطان ليس مجرد كتلة تنمو فى مكان محدد يمكن القضاء عليها باستئصال كل ما حولها، بل إنه مرض معقد، له خصائص بيولوجية مختلفة، وقد تنتشر خلاياه بطرق لا يمكن للجراح وحده أن يواجهها. ومن هنا تغيرت فلسفة الجراحة نفسها، والتى أصبحت فى كثير من أنواع السرطان، أكثر تحفظًا، وأكثر دقة، وأصبح الهدف هو إزالة الورم مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النسيج الطبيعى ووظيفة العضو وحتى شكله، مع الاستعانة ببقية أسلحة علاج السرطان عندما تكون هناك حاجة إليها.

وهذا ليس مجرد تطور نظرى بالنسبة إلى طبيب عاش سنوات طويلة فى ممارسة جراحة الأورام. فالجراح الذى يعالج السرطان اليوم لا يعالجه بالطريقة نفسها التى كان يعالجه بها منذ عشر سنوات. أنا شخصيًا لا أعالج مريض السرطان اليوم بالطريقة التى كنت أعالجه بها قبل سنوات، لأن المرض نفسه أصبح مفهومًا بصورة أفضل، ولأن الأسلحة التى أصبحت فى أيدينا اليوم لم تكن متاحة بهذا الاتساع من قبل.

ولم تعد المعركة تعتمد على سلاح واحد.

فما زالت الجراحة تحتل مكانتها المهمة، وما زال العلاج الكيميائى مستخدمًا فى أنواع كثيرة من السرطان، وما زال العلاج الإشعاعى واحدًا من أهم أسلحة علاج الأورام. لكن هذه الأسلحة التقليدية لم تعد تقف وحدها فى الميدان. فبعدها ظهر العلاج الهرمونى الذى استطاع تغيير مسار بعض أنواع من الأورام التى تعتمد فى نموها على الهرمونات مثل اورام الثدى عند المرأة والبروستاتا عند الرجال، ثم ظهر العلاج الموجه الذى يستهدف خصائص أو جزيئات معينة داخل الخلية السرطانية، بدلًا من التعامل مع جميع الخلايا بالطريقة نفسها. وتطور بعد ذلك العلاج المناعى الذى يحاول مساعدة جهاز المناعة على التعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. كما فتح التقدم فى علم الجينات والبيولوجيا الجزيئية أبوابًا جديدة أمام العلاج الجينى وغيره من الأساليب التى كانت حتى وقت قريب تبدو أقرب إلى الخيال العلمي.

ومن أهم ما تغير أيضًا ظهور مفهوم علاجى جديد يعرف بالطب المشخصن أو الطب التفصيل، وعليه، لم يعد من الضرورى أن يحصل مريضان مصابان بالمرض نفسه على علاج متشابه بالضرورة. فقد يحمل الورم عند أحدهما خصائص جزيئية مختلفة عن الورم عند الآخر، وبالتالى قد يكون أحدهما أكثر استفادة من دواء معين، بينما يستجيب الآخر لعلاج مختلف. وهنا يصبح المريض، وليس اسم المرض وحده، محور القرار العلاجي.

لكن… ليس معنى تعدد هذه الأسلحة أن هناك ترتيبًا واحدًا مقدسًا للعلاج يصلح لكل مريض. فقد يبدأ العلاج بالجراحة فى حالة، بينما يكون العلاج الدوائى أو الإشعاعى هو الخطوة الأولى فى حالة أخري. وقد تختلف مدارس العلاج ومراكز الأورام فى ترتيب بعض الوسائل، وفقًا لنوع الورم ومرحلته وخصائصه البيولوجية وحالة المريض والمدرسة العلاجية التى يتبعها الأطباء المعالجون. المهم ليس من يبدأ أولًا، وإنما أن تتكامل الأسلحة فى معركة واحدة هدفها القضاء على السرطان أو السيطرة عليه بأفضل نتيجة ممكنة وأقل ضرر ممكن.

والأهم أن هذه المعركة لم تعد معركة عمياء، فلقد أصبح لدينا اشعات وتحاليل أكثر دقة، وتحاليل أخرى لم تكن معروفة منذ سنوات قليلة، وأصبح فى امكاننا دراسة الجينات والطفرات، ولدينا وسائل أفضل لاكتشاف المرض ومتابعة استجابته للعلاج. وأصبح الطبيب قادرًا على اتخاذ قرارات لم يكن يستطيع اتخاذها منذ سنوات، لأن المعلومات التى يمتلكها عن الورم اليوم أصبحت أعمق بكثير.

لكن الحذر هنا واجب…، فلا ينبغى أن يقودنا التفاؤل إلى الاستهانة بالمرض. فالسرطان ما يزال قاتلًا فى حالات كثيرة، ولا تزال هناك أورام شرسة تقاوم العلاج، كما أن الوقاية والكشف المبكر يظلان من أهم أسلحتنا. لكن الفرق الكبير هو أننا لم نعد نقف أمام هذا المرض اللعين، فى الظلام. لقد بدأنا نعرف كيف ينشأ، وكيف ينمو، ولماذا ينتشر، ولماذا يستجيب ورم لعلاج معين ولا يستجيب له ورم آخر. وكل معلومة جديدة تضيق المساحة التى كان يحتلها المجهول. وربما يكون هذا هو التغيير الأهم: أن الخوف من السرطان لم يعد ينبغى أن يكون خوفًا من المجهول.

سيدى القارئ… السليم والمريض… السرطان وحش جامح بالفعل، لكنه لم يعد وحشًا مجهولًا. لقد بدأ الإنسان يفكك أسراره، ويعرف نقاط ضعفه، ويصنع له دواءً تلو الاخر، وسلاحًا بعد سلاح. والجراحة التى كانت فى الماضى تضطر إلى التضحية بأجزاء كبيرة من الجسم أصبحت أكثر تحفظًا، والعلاج الكيميائى أصبح أكثر دقة فى اختيار الحالات، والعلاج الإشعاعى أكثر تطورًا، وظهرت علاجات موجهة ومناعية وهرمونية وجينية لم تكن موجودة من قبل.

إننا لا نعيش نهاية عصر السرطان بعد، لكننا نعيش بوضوح بداية عصر جديد فى مواجهته. وربما يأتى يوم قريب لا يكون فيه السؤال: «هل السرطان قابل للعلاج؟» وهل: «أى علاج هو الأنسب لهذا السرطان عند هذا المريض بالذات؟ وكم من الوقت نحتاجه حتى يمكن السيطرة عليه؟ وكيف يمكن أن نحافظ على حياة المريض وجودتها فى الوقت نفسه؟»

عندها فقط نكون قد نجحنا فى ترويض هذا الوحش.

فالسرطان لم يعد ذلك المرض الجامح الذى لا نعرف عنه إلا اسمه المخيف. لقد أصبح عدوًا نعرفه أكثر، ونمتلك ضده أسلحة أكثر، ونقترب كل يوم من نقاط ضعفه. وهذه ليست دعوة إلى أن نتوقف عن الخوف من السرطان، وإنما دعوة إلى ألا نستسلم للخوف منه.

فالخوف لا يعالج المرض، أما المعرفة فتفعل.

العلامات

مقالات ذات صلة